سوف نترك جانبًا تباين القراءات السياسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة التي واكبت تطورات الأزمة، لنركّز على شقٍّ من القراءات عينها، كان مفصليّا في إحداث الشرخ العاطفي أعلاه، ونخصّ بالذكر ما صدر عن العديد من المؤسّسات والأصوات الدينيّة المحسوبة على تيارات إسلاميّة حركيّة، وفي مقدمتها التيار الإخواني، والتي انخرطت في ما يُشبه شيطنة الموقف المغربي الرسمي في الموضوع، مقابل الدفاع عن الموقف الإسباني، وكانت الأرضية النظريّة التي مهّدت لهذا التضامن الإسلامي الحركي مع موقف الحكومة الإسبانيّة، ذات صلة بموقف هذه الأخيرة من القضية الفلسطينيّة، في اختزال شديد لقضايا معقّدة ولا يمكن قراءتها بهذا المنظار الإيديولوجي، والأدهى أن تكون الإيديولوجيّة هنا إسلامية بالتحديد، حيث يتماهى الدّين مع التديّن، فيُصبح خطاب هذه التيارات الإسلامية عند غير المتتبّعين أو لدى نسبة من الرأي العام، كما لو أنه ناطقٌ باسم الإسلام بينما الأمر خلاف ذلك كما هو معلوم.
تعامُل "إخواني" مع أزمة سبتة من منظور اختزالي مؤسَّس على توظيفات إيديولوجية للنصوص الدينية
بين أيدينا مجموعة أمثلة تصب في هذا الأفق الإيديولوجي الذي لم يقتصر تأثيره على أتباع هذا المشروع، وإنّما وصل إلى المساس بالعلاقة التاريخيّة بين المغاربة والشعب الفلسطيني، والتي جعلت الشارع المغربي يوجد في مقدمة الشعوب العربيّة التي تخرج للدفاع عن حقّ الشعب الفلسطيني، حتى إنّ أكبر مسيرة شعبية نُظمت العام الماضي في المنطقة العربية، تضامنًا مع الشعب الفلسطيني، نُظّمت في العاصمة المغربية الرباط، أخذًا بعين الاعتبار أنّ المغرب هو الدولة العربيّة الأبعد جغرافيًّا عن فلسطين، لكنه قريبٌ جدًا وجدانيًّا.
ضمن تلك الأمثلة، نتوقّف عند نموذجيْن اثنيْن:
- يتعلق النموذج الأول ببلاغ رسمي وقّعه علي القره داغي، الرئيس الجديد لمؤسّسة "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين"، وهي مؤسّسة دينية تابعة للمشروع الإخواني، وهذا شأنها الخاص في نهاية المطاف، لكن مواقفها السياسية في هذه الأزمة، جعلت الرأي العام المغربي يتجاوز منطق التعامل مع أمرٍ خاص يهم أهداف المؤسّسة، حيث جاء في البلاغ عينه أنّ أحداث سبتة المحتلّة "مؤامرة" يقودها "الصهاينة"، بـ"مساعدة بعض الدول الإسلاميّة"، ضدّ رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، وهو الموقف الذي تسبّب في صدمة واسعة في المغرب، خصوصًا بعدما وصف مدينة سبتة بأنّها تقع عند "حدود إسبانيا وأوروبا"، ما فجّر موجة غضب وانتقادات على شبكات التواصل الاجتماعي. وتحت ضغط هذه الانتقادات، تراجع القره داغي لاحقًا عن موقفه، من دون أن يُقدّم أدنى اعتذارٍ عن إقراره بـ"السيادة الإسبانية على سبتة"، واقتصر بالكاد على التذكير بأنّ بيانه الصّادر باسم المؤسّسة الإخوانية، كان يروم "الإشادة بالمواقف الإيجابيّة لرئيس الوزراء الإسباني من القضية الفلسطينيّة وقضايا عادلة أخرى، وإظهار أنّ الصهاينة وحلفاءهم يسعون إلى الإضرار بكلّ من يدعم فلسطين".
- نأتي للنموذج الثاني، ويهم موقف صانع محتوى مصري، محسوبٍ هو الآخر على المشروع الإخواني، ومنخرطٍ في معارضة النظام المصري بحكم الصراع بين الدولة المصرية وجماعة "الإخوان المسلمين"، والحديث عن الداعية والناشط السياسي عبد الله الشريف، الذي يُقيم بين تركيا ولندن، حيث نشر شريطًا حول الأزمة عينها، ومرّر الاتهامات ذاتها التي جاءت في بيان "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين"، على الرغم من أنّ شريطه هذا صدر بعد صدور اعتذار تلك المؤسّسة، لكن المضامين بقيت كما هي بخصوص شيطنة الموقف المغربي والتعامل مع الموضوع من منظور اختزالي مؤسّس على توظيفات إيديولوجيّة للنصوص الدينيّة.
من بين النتائج المباشرة لهذه التطوّرات، انخراط العديد من صنّاع المحتوى في الساحة المغربية، ومعهم نسبة من روّاد مواقع التواصل الاجتماعي في حملات نقدية ردًّا على مواقف هذه الإيديولوجيات الدينيّة، لكن اتضح أنّ مضامين هذه الانتقادات لم تقتصر على نقد الإيديولوجيّة الإخوانيّة وحسب، فهذا تحصيل حاصل ــ إضافةً إلى أنّه حتى من منظور سياسي صرف، فإنّ الوزن الإخواني في الساحة المغربية أصبح متواضعًا ــ وإنّما وصلت تلك التبعات إلى فتح ملفّ التعامل المغربي مع القضية الفلسطينيّة، وظهور أصوات تدعو إلى إعادة النظر في تشعّبات الملف.
التفاعل الشعبي الأصيل للرأي العام المغربي مع القضية الفلسطينية يتعرّض لإساءات مجانية
مؤكّد أنّ صنّاع القرار في الرباط، أبعد عن التأثر بهذه الحملات، سواء تعلّق الأمر بالحملات النقدية الإخوانيّة أو التفاعلات الأوليّة للرأي العام أو الشارع المغربي، ويكفي التذكير بأنّ المغرب يحتلّ الرتبة الأولى في المساهمات الماليّة التي تتوصل بها مؤسّسة بيت مال القدس، ضمن أمثلة أخرى، لكن بيت القصيد في هذا المشهد الجيوسياسي المعقّد والحسّاس في آن، يكمن في أنّ التفاعل الشعبي الأصيل للرأي العام المغربي مع القضية الفلسطينيّة، يتعرّض لإساءات مجانيّة بسبب هذه الحملات، وهي إساءات تُعيد مرّة أخرى مساءلة طبيعة مواقف هذه الإيديولوجيات الدينيّة مع سؤال الدولة الوطنيّة الحديثة، لأنّ الأمر وصل عندها إلى استثمار وتوظيف قضيّة إنسانيّة، على حساب مصالح دولة عربية، كما عاينّا في أمثلةٍ عدّةٍ من هنا في المنطقة العربيّة.. هذا بعض من المسكوت عنه في هذا المشهد!.
(خاص عروبة 22)

