سرّعت الحرب الأميركية – الإيرانية تبلور هذه المقاربة بعدما كشفت طبيعة التهديدات التي تواجه دول الخليج وحدود ترتيبات الأمن التقليدية في التعامل معها. فالمخاطر لم تعد تقتصر على حماية المنشآت النفطية أو ضمان أمن الممرّات البحرية، بل باتت تشمل الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المُسيّرة والهجمات السّيبرانية واستهداف البنى التحتية الحيوية وسلاسل الإمداد، في بيئة أمنية أصبحت بدورها أقلّ قابلية للتنبّؤ، بفعل المواجهة مع إيران، واتّساع نطاق التحرّكات العسكرية الإسرائيلية، وتغيّر أولويات الولايات المتحدة من مرحلة إلى أخرى.
وكما أظهرت الحرب استمرار الحاجة إلى القدرات العسكرية والتكنولوجية والاستخباراتية الأميركية، أظهرت في الوقت عينه الحاجة إلى امتلاك دول المنطقة قدرات ذاتية وشبكات أوسع من الشراكات الدفاعية. وبذلك، لم تعد المعضلة السعودية مرتبطةً بمصدر واحد للتهديد أو بضمانة أمنية واحدة، بل بكيفية التعامل مع تعدّد مصادر الخطر وتقليص الارتهان لمصدر واحد للحماية.
المقاربة السعودية الجديدة تقوم على إدارة شبكة من الشراكات المتعدّدة
من هنا، تمثّل "معاهدة مكّة" إحدى أبرز علامات التحوّل، إذ يضيف الاتفاق مع تركيا وباكستان، القائم على اعتبار الاعتداء على أحد أطرافه اعتداءً على جميع أطرافه، دائرةً جديدةً إلى الأمن السعودي خارج المظلّة الأميركية، مستفيدًا من القدرات العسكرية للبلدين وموقعهما الجيوسياسي.
لكن توسيع الخيارات لا يعني تراجع أهمية الولايات المتحدة. فالمسار الثاني للاستراتيجية السعودية يقوم، على العكس، على تعميق الشراكة معها في المجالات التي يصعب تعويض تفوقها فيها. ويعكس التعاون النووي المدني طويل الأمد هذا الاتجاه، إذ يتجاوز توفير التكنولوجيا والخبرات اللازمة لتطوير قطاع الطّاقة السعودي إلى ترسيخ ارتباط استراتيجي في مجال شديد الحساسيّة يمتدّ لعقود، بالتوازي مع التعاون في الدفاع والتكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والاستثمار.
وتكشف العلاقة بين المسارَيْن جوهر المقاربة السعودية الجديدة، التي لا تقوم على الاختيار بين الولايات المتحدة، التي يصعب الاستغناء عنها، وشركاء آخرين، بل على إدارة شبكة من الشراكات المتعدّدة. ويندرج ذلك ضمن سياسة انتهجتها الرياض خلال السنوات الماضية، تزامن فيها تعزيز العلاقة مع واشنطن مع تطوير العلاقات مع الصين وروسيا، وإدارة العلاقة مع إيران، وتوسيع التعاون مع قوى إقليمية أخرى، بهدف توسيع هامش الحركة والحفاظ على القدرة على التعامل مع قوى متنافسة وفقًا لمصالح المملكة.
تقليل ارتهان أمن المملكة لأي طرف أو ترتيب إقليمي واحد
ومن هنا تكتسب "معاهدة مكة" دلالة تتجاوز الالتزامات العسكرية التي قد تترتّب عليها، فهي لا تشكل بديلًا فوريًا للمظلّة الأميركية، بقدر ما تعكس انتقال سياسة تنويع الشراكات السعودية من المجاليْن الديبلوماسي والاقتصادي إلى ترتيبات أمنية ودفاعية أكثر مؤسّسية.
ويكتمل هذا التحوّل ببناء القدرة الذاتية. فقد أظهرت الحروب والأزمات أن امتلاك أحدث المنظومات العسكرية لا يضمن وحده القدرة على خوض مواجهة طويلة أو التعامل مع أزمات متزامنة، ما لم تتوافر القدرة على الصيانة وإنتاج الذخائر وقطع الغيار واستدامة العمليات. لذلك، يكتسب توطين الصناعات الدفاعية أهمية تتجاوز أهدافه الاقتصادية في "رؤية السعودية 2030"، ليصبح جزءًا من مفهوم أوسع للأمن والاستقلال الاستراتيجي.
غير أن تعدّد هذه المسارات لا يضمن في ذاته نجاح الاستراتيجية السعودية الجديدة، إذ يبقى التحدي في إدارة الشراكات المختلفة وتعزيز القدرات بما يدعم التكامل الدفاعي ويحدّ من التناقضات بين مصالح الشركاء. فاختلاف أنظمة التسليح والعقائد العسكرية ومصالح الشركاء قد يحدّ من إمكان بناء تكامل دفاعي فعلي، كما أن الولايات المتحدة ستظلّ، في المدى المنظور، تمتلك قدرات يصعب على أي مجموعة من الشركاء الإقليميين تعويضها، ولا سيما في مجالات الاستخبارات والدفاع المتقدّم والقيادة والسيطرة.
من الاعتماد الأمني إلى الاستقلال الاستراتيجي ومن البحث عن الحماية إلى المشاركة في بناء معادلة الأمن الإقليمي
لذلك، لا تكمن دلالة التحوّل السعودي في الابتعاد عن الولايات المتحدة أو بناء محور في مواجهة إيران أو إسرائيل، بقدر ما تكمن في محاولة تقليل ارتهان أمن المملكة لأي طرف أو ترتيب إقليمي واحد. فبدلًا من البحث عن ضمانة خارجية واحدة، تتّجه الرياض نحو معادلة تجمع بين الشراكة الأميركية، والتحالفات الإقليمية، وتنويع العلاقات الدولية، وبناء القدرات الدفاعية الذاتية.
وقد يكون هذا التحوّل أبعد أثرًا من حدود المملكة نفسها. فإذا نجحت الرياض في بناء هذا النموذج، فقد يسهم ذلك في إعادة صياغة مفهوم الأمن الخليجي الذي قام لعقود على مركزية المظلّة الأميركية. عندها لن يكون السؤال ما إذا كانت السعودية تبتعد عن واشنطن أو تقترب منها، بل ما إذا كانت تنتقل من الاعتماد الأمني إلى الاستقلال الاستراتيجي النّسبي، ومن البحث عن الحماية إلى المشاركة في بناء معادلة الأمن الإقليمي نفسها.
(خاص عروبة 22)

