بصمات

ماذا أَبْصَرَ مالِك بِنْ نَبِي في إدغار موران؟

يَجْدُرُ القَوْلُ في البَدْء، إنَّ الكِتابَ الَّذي ذَكَرَ فيه مالكُ بِنْ نَبِي (1905-1978) إدْغار موران (1928-2026) هو كِتابُ "مُشْكِلَةِ الأَفْكارِ في العالَمِ الإسلاميّ"، وهو كِتابٌ شَرَعَ بِنْ نَبِي في تَأْليفِهِ في سِتّينِيّاتِ القَرْنِ الماضي، تَقْريبًا 1960، لِأَنَّهُ قالَ في مُقَدِّمَةِ الكِتابِ "هذا كِتابٌ شَرَعْتُ في تَأْليفِهِ مُنْذُ عَشْرِ سَنَوات" (مالكُ بِنْ نَبِِي، مُشْكِلَةُ الأَفْكارِ في العالَمِ الإسلامي، تَرْجَمَة، بَسّامُ بَرَكَة، أَحْمَد شَعْبو، دِمَشْق: دارُ الفِكْر، إِعادَةُ الطَّبْعَة، 2002، ص 15)، مع الأَخْذِ بِعَيْنِ الاعْتِبارِ أَنَّ خاتِمَةَ الكِتابِ مُؤَرَّخَةٌ في 22 نوفَمْبِر/تِشْرينَ الثّاني 1970. لكنَّ ظُروفًا خاصَّة، تَتَعَلَّقُ بِقُوَّةِ الصِّراعِ الفِكْرِيّ، أَجَّلَتْ إِتْمامَ هَذا الكِتابِ فيما يَقول، أَمّا سِياقُ اللِّقاءِ فَهُوَ الفَصْلُ التّاسِعُ مِنَ الكِتاب، حَمَلَ عُنْوانَ "جَدَلِيَّةِ الفِكْرَةِ والشَّيْء"، ومَضْمونُهُ هو تَحْليلُ طَبيعَةِ العَلاقَةِ بَيْنَ الأَفْكارِ والأَشْياءِ والأَشْخاص.

ماذا أَبْصَرَ مالِك بِنْ نَبِي في إدغار موران؟

يُشيرُ بِنْ نَبِي إلى العَلاقَةِ بَيْنَ الفِكْرَةِ والشَّيْءِ في سِياقَيْنِ هُما: البِلادُ المُتَخَلِّفَةُ والبِلادُ المُتَقَدِّمَة، قائِلًا: "ففي بَلَدٍ مُتَخَلِّفٍ يَفْرِضُ الشَّيْءُ طُغْيانَهُ بِسَبَبِ نُدْرَتِه، تَنْشَأُ فيه عُقَدُ الكَبْتِ والمَيْلُ نَحْوَ التَّكْديس، الذي يُصْبِحُ في الإطارِ الاقْتِصادِيِّ إِسْرافًا مَحْضًا، أَمَّا في البَلَدِ المُتَقَدِّمِ وطِبْقًا لِدَرَجَةِ تَقَدُّمِه، فَإِنَّ الشَّيْءَ يُسَيْطِرُ بِسَبَبِ وَفْرَتِهِ ويُنْتِجُ نَوْعًا مِنَ الإِشْباع" (المَرْجِعُ السّابِق، ص 86). فَنَحْنُ إِذَنْ أَمامَ تَوَجُّهَيْنِ اثْنَيْنِ نَحْوَ الشَّيْء، الأَوَّلُ سَبَبُهُ الحِرْمان، والثّاني سَبَبُهُ الوَفْرَة، لكنَّ النَّتيجَةَ النَّفْسِيَّةَ لِكِلَيْهِما واحِدَة: تَتَمَثَّلُ في طَرْدِ الشَّيْءِ لِلْفِكْرَةِ والاسْتِبْدادِ بِروحِ الإِنْسان. وهُنا تَكونُ نُقْطَةُ التَّلاقي مع موران، الَّذي كانَ عُمْرُهُ في تِلْكَ الفَتْرَةِ 39 سَنَة.

وجد في نصوص موران شواهد عن مرحلة سيادة الغريزة التي تُعبّر عن حال الانحطاط الحضاري

إِنَّ ما دَفَعَ مالِكَ بِنْ نَبِي إلى هذا التَّلاقي العَقْلِيِّ مَعَه، تَقْريرٌ نُشِرَ في مَجَلَّةِ "لونوفيل أوبسرفاتور" الفَرَنْسِيَّةِ تَحْتَ عُنْوانِ "دِراسَةٌ اجْتِماعِيَّةٌ لِفَشَل"، ومُحْتَوى هذا التَّقْريرِ أَنَّ الأَصْواتَ الَّتي أَدْلى بِها الأُجَراءُ في الانْتِخاباتِ في إِنْكِلْترا، والَّتي كانَ مِنَ المَفْروض، وِفْقَ مَنْطِقِ الإيديولوجيا الاشْتِراكِيَّة أَنْ تَكُونَ لَهُم، لكنَّ العَجيبَ أَنَّها كانَت لِصالِحِ المُحافِظين، ومُبَرِّرُ هذا الانْقِلابِ أَنَّ المَطالِبَ المادِّيَّةَ التي كانَ الاشْتِراكِيّونَ يَعِدونَهُمْ بِها، قَدْ أَمَّنَها لَهُمُ المُحافِظون. وهُنا يَسْتَنْتِجُ بِنْ نَبِي، بِناءً على تَحْليلاتِ موران، أَنَّ جاذِبِيَّةَ الأَشْياءِ "إِشْباعُ الحاجاتِ المادِّيَّةِ وَتَأْمينُها"، ولَيْسَتِ الأَفْكار، هِيَ الَّتي رَسَمَتِ اتِّجاهَ التَّصْويت. وهذا هو مَعْنى الفَشَلِ الَّذي جاءَ في عُنْوانِ هذا التَّقْرير.

هكذا يَرى مالكُ بِنْ نَبِي إدغار موران

يُشيدُ مالكُ بِنْ نَبِي بِتِلْكَ الاسْتِنْتاجاتِ الَّتي أَطْلَقَها موران، بَعْدَ أَنْ لاحَظَ كَيْفَ أَنَّ تَمَرْكُزَ الأَحْلامِ حَوْلَ الأَشْياء، باتَ هُوَ الشُّعورَ الَّذي يُمَيِّزُ الحَضارَةَ الغَرْبِيَّة. يَظْهَرُ هذا في قَوْلِ بِنْ نَبِي عَنْ موران: "إِنَّهُ يَذْكُرُ الفَراغَ المُرَوِّع، والوَحْدَة، واليَأْس، الَّتي تَسْتَبْطِنُها حَضارَةُ الرَّفاهِيَّة". ويُدْرِكُ بِوُضوحٍ كَبيرٍ نَتيجَةَ ذلك؛ فَيُضيفُ قائِلًا: "ومَعَ ذلكَ سَيَظْهَرُ في المُجْتَمَعاتِ المُتَقَدِّمَة، إِذا ما واصَلَتْ سِباقَها نَحْوَ الرَّخاء، لامَعْقولِيَّةُ الوُجودِ الإِنْسانِيّ، وهُزالُ حَياةٍ تَفْقِدُ كُلَّ رابِطٍ حَقيقِيٍّ مَعَ الآخَرين، وتَفْتَقِرُ لِلإِنْجازاتِ الخَلّاقَة، وتَحْصُدُ الحِرْمانَ في عالَمِ الأَشْياءِ والمَظاهِر، وتَسْتَحْوِذُ عَلَيْها أَزْمَةُ العُنْفِ عِنْدَ الشَّباب، وتَبْرَحُها آلامُ الوُجودِيَّةِ عِنْدَ المُفَكِّرينَ" (المَرْجِعُ السّابِق، ص 89).

ويَبْدو أَنَّ بِنْ نَبِي هُنا، قَدْ وَجَدَ في نُصوصِ موران، شَواهِدَ وَتَقاريرَ مَيْدانِيَّةً عَنْ مَرْحَلَةِ سِيادَةِ الغَريزَةِ الَّتي تُعَبِّرُ عَنْ حالِ الانْحِطاطِ الحَضارِيّ؛ الَّتي مِنْ سِماتِها تَحَكُّمُ النَّفْسانِيَّةِ في الأَفْكار، وإِقْبالُ المُجْتَمَعاتِ على الاسْتِهْلاكِ والْبَحْثِ عَنِ المُتَعِ الحِسِّيَّة، وتَقْديرُ الأَشْياءِ تَقْديرًا مادِّيًّا. وبَعْدَ هذا الوَصْفِ الاسْتِشْرافِيِّ لِمَصيرِ حَضارَةِ الرَّفاهِيَّة، يُؤَكِّدُ بِنْ نَبِي أَنَّها نُبوءَةٌ صادِقَة، وأُولى إِرْهاصاتِها هِيَ ثَوْرَةُ الطَّلَبَةِ في فَرَنْسا سَنَةَ 1968، الَّتي جاءَتْ كَحَرَكَةٍ كاسِحَةٍ لِمَعاييرِ الإِلْزامِ العَقْلِيَّة.

لكنْ هذا لا يَعْني أَنَّ بِنْ نَبِي قد سايَرَ تَحْليلَ موران إلى مُنْتَهاه، على الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُ وَصَفَ نَظْرَتَهُ بِـ"التَّشْخيصِ الدَّقيق"، لِأَنَّهُ اعْتَرَضَ على الحَلِّ الَّذي اقْتَرَحَهُ موران لِعِلاجِ أَزْماتِ حَضارَةِ الرَّفاهِيَّةِ السّائِدَة، يَظْهَرُ ذلكَ في قَوْلِه: "لكنَّ إدغار مورانَ يَسْتَخْلِصُ مِنْها عِلاجًا يَتَّسِمُ بِالْمُخاطَرَة، أَوْ هُوَ على الأَقَلِّ غَيْرُ كامِلٍ، حينَ يُحَدِّدُ لَهُ نَتيجَةً وَحيدَةً هِيَ قَوْلُه: يَجِبُ أَنْ نَعيشَ حَضارَةَ الرَّفاهِيَّةِ في العُمْق، وَهذِهِ يَجِبُ أَنْ تَتَحَقَّقَ في حَضارَةِ الوَفْرَة، لِكَيْ تُنْشِئَ نَقْدَها الذّاتِيَّ وأَبْعادَها المُسْتَقْبَلِيَّةَ الخاصَّةَ بِها" (المَرْجِعُ السّابِق، ص 90).

ويَبْدو أَنَّ موران يَسْتَعْمِلُ هُنا اسْتِعارَةً عِلاجِيَّةً بِيولوجِيَّةً؛ لِأَنَّ ثَمَّةَ خَلايا في الجِسْم، لا يَظْهَرُ مَفْعولُها العِلاجِيّ، إِلَّا عِنْدَما تَسْتَفِزُّها أَمْراضٌ مِنَ الخارِج، فَتُنْتِجُ دَواءَها الَّذي سَيَبْقى كامِنًا، ما لَمْ تَسْتَفِزَّهُ أَمْراضُ المُحيطِ الخارِجِيّ. ويَرى بِنْ نَبِي هُنا، أَنَّ تَبَنِّيَ موران لِهذا الأَمْر، في حَقيقَتِهِ لَيْسَ اقْتِراحًا عِلاجِيًّا، فَـ"هذِهِ الخاتِمَةُ البْراغْماتِيَّةُ تَنْطَوي على شَيْءٍ مِنَ التَّناقُضِ، فَحينَ يُوصي موران بِأَنْ يُتْرَكَ الدّاءُ حتّى يَصِلَ إلى مُنْتَهاهُ فَيُنْتِجَ دَواءَهُ بِنَفْسِه، فَذلِكَ يَعْني أَنَّهُ في تَشْخيصِهِ لَمْ يَأْخُذْ بِاعْتِبارِهِ أَيَّ عِلاج" (المَرْجِعُ نَفْسُه).

الاختزال والانفصال هما أمراض هذا العصر

ويَبْدو أَنَّ مالكَ بِنْ نَبِيٍّ، قد تَلَمَّحَ حُدودَ رُؤْيَةِ موران، الَّتي بِرَأْيِهِ مُقارَبَةٌ اجْتِماعِيَّةٌ وَصْفِيَّة، بَيْنَما المُقارَبَةُ الجَديرَةُ بِالاسْتِعْمال، هِيَ المُقارَبَةُ النَّفْسِيَّة، وبِالتّالي، فَإِنَّ عُمْقَ الأَزْمَة، إِنَّما هُوَ العَلاقَةُ النَّفْسِيَّةُ الَّتي تَتَحَكَّمُ بِالْوَعْي، بِحَيْثُ تَجْعَلُهُ يُقَدِّسُ الشَّيْءَ على حَسَبِ الفِكْرَة، وما ثَوْرَةُ الشَّبابِ الهَوْجاءِ سَنَةَ 1968، إِلَّا تَعْبيرٌ عَنْ اسْتِباقٍ يَسُدُّ أَيَّ رَغْبَةٍ في الإِصْلاحِ أَوِ العَوْدَةِ إلى قِيَمِ العَقْلِ القَمْعِيَّة.

في الأَخير، يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ لِمالِكِ بِنْ نَبِي قُدْرَةً اسْتِثْنائِيَّةً على تَلَمُّحِ النِّتاجِ الفِكْرِيِّ العَميقِ في تِلْكَ الفَتْرَة، ودَليلُ ذاكَ أَنَّ الإِنْتاجَ المَعْرِفِيَّ اللّاحِقَ لإِدغارَ موران، ما هُوَ إِلَّا اسْتِمْرارٌ في التَّحْسيسِ بِأَزْمَةِ السِّياسَةِ الحَضارِيَّةِ الغَرْبِيَّةِ المُضْطَرِبَة، ومُحاوَلَةٌ جادَّةٌ مِنْ أَجْلِ شَرْحِ التَّعْقيدِ المُلازِمِ لِجَوْهَرِ الحَياةِ والعُلوم، فالاخْتِزالُ والانْفِصالُ هُما أَمْراضُ هذا العَصْر، وإِحْياءُ القُدْرَةِ على وَعْيِ التَّعْقيدِ هُوَ الأُفُقُ المُسْتَقْبَلِيُّ المُمْكِن.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن