بصمات

في الحاجة العربية إلى العدل مع الحرية!

أنتج الفكر النهضوي العربي، في واحدة من أكثر تجلّياته خصوصيةً، فكرة "المستبدّ العادل". ولعلّ حياة الثائر الكبير جمال الدين الأفغاني، وعلاقته الإشكاليّة بالسلطنة العثمانية في مرحلتها الأخيرة، وببعض ولاة الأمصار العربية والإسلامية ممّن ثمّنوا دعوته الإصلاحية، وأسبغوا عليه الرعاية، تشيان باستبطانه العملي لتلك الفكرة. لكن مَن نقلها إلى إطار النظرية السياسية هو الإمام محمد عبده، الذي اعتبرها مدخلًا عمليًّا لحلّ معضلتَيْ السلطة والشرعيّة في المجتمعات العربية الإسلامية، التي استمرّ أغلبها حتى نهاية القرن التاسع عشر، يدور في فلك المفاهيم التقليدية عن الأمّة والشورى والرعيّة، وجميعها تهدف إلى تحقيق التكامل المجتمعي على قاعدة التراحم الإنساني، لكنّها لا تكترث كثيرًا بالمفاهيم المنبثقة عن الحداثة السياسية كالنزعة الفردية، والمواطنة، والعقد الاجتماعي، والديموقراطية التمثيلية.

في الحاجة العربية إلى العدل مع الحرية!

الحقيقة أنّ الفكرة لم تكن غريبةً بالمطلق عن الفكر الإنساني، فقد استبطنها تنويريّون سابقون على الثورة الفرنسية، يأتي على رأسهم فولتير الذي بدا متأثّرًا برعاية الملك فريدريك الثاني "العظيم"، ملك بروسيا (1740 ـ 1786)، الأكثر انفتاحًا على أفكار عصر التنوير، وكذلك الملكة كاترين الثانية إمبراطورة روسيا (1762 ـ 1796) المولعة بالفلسفة الفرنسية، والمتعاطفة مع الأفكار التنويرية، والتي كانت أبدت اهتمامًا وتشجيعًا كبيرين بنشاط وكتابات فولتير، الذي أبدى من جانبه إعجابًا بمثل هؤلاء الحكام المتنوّرين والمستبدّين في آن.

الاستبداد لا يمكن أن يظل عادلًا

المنطق الذي انطلق منه الإمام محمد عبده هو أنّ الحاكم القوي، إذا كان عادلًا بين الرعية، أمينًا على الأمة، يمكنه أن ينوب عن أفرادها، الذين هم رعيّته، في تحقيق مصالحهم الكلية. هذا القول قد يكون صادقًا في العموم، فالحاكم القوي الأمين، القادر على نشر العدل ورعاية المواطنين، والمتحرّر من ضغوط جماعات المصالح ومراكز القوى، ربما كان أفضل من نظام ديموقراطي تعدّدي، ينطوي على جماعات ضغط متحفّزة، ويرتكز على أحزاب مختلفة في الميول الإيديولوجية، تُحرّكها انتماءات طبقية ومواقع اقتصادية مختلفة، وتحفّزها رؤى مختلفة للعالم ولكيفية التعاطي مع الآخر الحضاري.

هذا الاختلاف يجعل إدارة الشأن العام محصلةً لعمليات مساومة صعبة وتفاوض دائم، وربما أسيرةً لتناقضات جذرية، تجعل من عملية اتخاذ القرارات العملية التي تتطلّبها الحياة اليومية، ناهيك عن القرارات الاستراتيجية التي تنشد إحداث تغييرات كبرى، مهمةً صعبةً، بفعل ما تفرضه التوازنات السياسية والإيديولوجية على القائد من حدود في الحركة وقيود زمنية لا يستطيع تخطّيها إلّا بصعوبة بالغة. وممّا لا شك فيه أنّ بعض القضايا الطارئة أو الخطيرة كإعلان الحرب، على سبيل المثال، يلعب الوقت فيها دورًا حاسمًا، يؤثّر على احتمالات الفوز والخسارة فيها. وبدرجات مختلفة يمكن تمديد المنطق المحيط بقرار الحرب إلى الملابسات المحيطة بالقضايا الحسّاسة كمعاهدات السلام، أو بناء التحالفات الاستراتيجية، أو حتّى توقيع الصفقات التجارية الكبرى، فالذي لا شك فيه أنّ المساومات المعقّدة بين المختلفين حولها إنّما تمثّل عبئًا ثقيلًا على عملية اتخاذ القرار بشأنها، قد يؤدّي إلى إفشالها أو تقليل العائد المتوقّع منها.

لكن وفي مقابل الديناميكيّة والسرعة اللتيْن تُميّزان اتخاذ القرار لدى الحاكم الفرد، ثمّة مخاطر كعدم الرشد تضغط على ذلك القرار، تحول دون ما صار يسمّى بـ"الحوكمة السياسية"، كنتيجة تلقائية لعدم خضوعه للدراسة الجادّة والمعمّقة من شتى الزوايا، وعرضه على مختلف المؤسسات المعنية، خصوصًا أنّ المستبد، ولو كان عادلًا، غالبًا ما يكون نرجسيًّا، يرفض الاعتراف بالخطأ، حتى لو ثبت له مدى القصور في قراره، لأنّ في ذلك الاعتراف ما قد يجرح صورته لدى عموم الجماهير التي تنظر إليه، أو يروّج هو لديها، أنّه المالك الوحيد والحصري للحكمة السياسية. وإذ يصعب عليه الاعتراف بالخطأ والرجوع عن الطريق الذي سار فيه يصبح التبرير أو الهروب إلى الأمام سمةً أساسيةً من سمات حكمه. ومن ثم ينبع اعتقادنا بأنّ الاستبداد لا يمكن أن يكون مفيدًا ولا أن يظل عادلًا، حتّى لو وُجد ذلك المستبد الذي يبدأ حكمه بالعدل، فالعدل هنا ليس إلّا صدفة تاريخية لا تتكرّر كثيرًا، ولا يتوجّب على المجتمعات الحيّة أن تنتظرها.

العدل قيمة كبرى لا ترسخ إلا في وجود الحرية

أمّا الاستبداد فيعكس بنية معقّدة، وبيئة مغلقة، تغيب عنها الشفافية والرقابة، لا بد أن تقود إلى الفساد والركود حيث تنمو بطانة السوء، وتترعرع جماعات المصالح، التي تجد السلطة في يدها أشبه بثمرة يانعة، تسعى إلى أن تحقّق من خلالها كل مصالحها. ومن ثم يعلّمنا التاريخ درسًا بليغًا وهو: أنّ العدل قيمة كبرى لا تدوم ولا ترسُخ إلّا في وجود الحرّية، حيث القواعد الواضحة، والقوانين الصّارمة، تنظّم عمل الحاكم والمحكوم، وتضبط المسافة بينهما بمقياس دقيق وتدفع بها في الاتجاه الصحيح ولو بسرعة أقلّ.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن