الأمن القومي العربي

"الناتو العربي".. بين المُمكن والمُستحيل!

تطرح فكرة "النّاتو العربي" مشروعًا طموحًا لإعادة بناء منظومة الأمن الإقليمي العربي على أساس التعاون العسكري والدفاع الجماعي، من خلال إنشاء تحالف يمتلك قدراتٍ مشتركةً في مجالات الدفاع والأمن والاستخبارات والتدريب والتسليح والاستجابة للأزمات، بما يعزّز قدرة الدول العربية على حماية أمنها ومصالحها الاستراتيجية، ويرفع مستوى التنسيق بين قوّاتها المسلحة، ويطوّر آليات جماعية للتعامل مع التهديدات الإقليمية والدولية.

ترتبط هذه الفكرة بتاريخٍ ممتدٍّ من محاولات بناء منظومة عربية للأمن الجماعي؛ وقد سبقت فكرة النّاتو العربي، من حيث المبدأ، محاولة عربية مبكّرة لإقامة نظام للدفاع الجماعي؛ إذ نصّت معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي لعام 1950 على اعتبار العدوان المسلّح على دولة طرف عدوانًا على الأطراف جميعها، وعلى تنسيق القوات المسلحة وإنشاء مجلس دفاع مشترك ولجنة عسكرية دائمة، ثم تطوّرت تجارب التنسيق العسكري عبر مؤسّسات وتشكيلات مشتركة، ومن أبرزها قوّة درع الجزيرة التابعة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية منذ عام 1982، إلى جانب مبادرات إنشاء قوة عربية مشتركة، والمناورات والتدريبات العسكرية متعدّدة الأطراف.

بناء قدرة ردع جماعية وتعزيز أمن الحدود والممرّات البحرية وحماية مصادر الطاقة وطرق التجارة

يمكن للنّاتو العربي تعزيز التعاون العسكري بين الدول الأعضاء عبر التدريب المشترك، وتبادل الخبرات والمعلومات الاستخباراتية، وتطوير العقائد العسكرية ومنظومات القيادة والسيطرة والاتصالات، وإنشاء مراكز عربية متخصّصة في التدريب والأمن السّيبراني والحرب الإلكترونية والدفاع الجوي والصاروخي والاستطلاع والإنذار المبكر، إلى جانب تنظيم المناورات متعدّدة الجنسيات لرفع الجاهزية واختبار سرعة الاستجابة وتطوير التنسيق العملياتي، مع توسيع التعاون في الصناعات الدفاعية من خلال مشروعات مشتركة لإنتاج الذخائر والمركبات العسكرية وأنظمة الاتصالات والطائرات المُسيّرة وبعض منظومات الدفاع الجوي، بما يدعم بناء قاعدة صناعية عسكرية عربية، ويعزّز نقل الخبرات والتكنولوجيا، ويرفع كفاءة الإنفاق الدفاعي.

يمكن للنّاتو العربي دعم الاستقرار الإقليمي عبر بناء قدرة ردع جماعية، وتعزيز أمن الحدود والممرّات البحرية، وحماية مصادر الطاقة وطرق التجارة، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود، بما يرفع قدرة الدول العربية على التعامل مع الأزمات الإقليمية في مجالات مكافحة الإرهاب، وتأمين الملاحة، ومواجهة الهجمات السّيبرانية والتهديدات الصاروخية والطائرات المُسيّرة، مع تطوير منظومة أمنيّة متكاملة تجمع بين الرّدع والتنسيق السياسي والحوار والديبلوماسية، وتوظّف القوة العسكرية ضمن استراتيجية أوسع لإدارة الأزمات واحتواء التصعيد وحماية المصالح العربية المشتركة.

معضلة القيادة العسكرية والتشغيل البيني

يتطلّب مشروع النّاتو العربي بناء قيادة استراتيجية موحّدة قادرة على إدارة العمليات المشتركة، وتنسيق القوات، وتوحيد إجراءات الاتصال، وإصدار التوجيهات العملياتيّة وفق الصلاحيات المتّفق عليها، ضمن هيكل مؤسسي واضح يحدّد مستويات القرار ويربط القيادات العسكرية الوطنية بمركز عمليات مشترك ويحدّد المسؤوليّات وآليّات التنسيق، ويمكن اعتماد صيغة قيادة جماعية تضم ممثلين عن الدول الأعضاء، إلى جانب قيادة عسكرية محترفة تتمتّع بصلاحيات عملياتية محدّدة وتعمل وفق التوجيهات الصادرة عن هيئة سياسية عليا للتحالف، بما يحقق التوازن بين الدول المشاركة، ويعزّز كفاءة اتخاذ القرار، ويوظّف القدرات العسكرية المتنوّعة ضمن منظومة عملياتية متكاملة.

رفع مستوى التكامل بين القوات الجوية والبرية والبحرية والدفاعات الجوية

تمتلك الدول العربية منظومات تسليح متنوّعة تشمل معدّات وتقنيّات أميركية وفرنسية وبريطانية وروسية وصينية وتركية وغيرها، وهو تنوّع يوفّر قدرات عسكرية واسعة ويحتاج إلى منظومة تنسيق تحوّل هذه القدرات إلى قوة عملياتية مشتركة عبر توحيد معايير الاتصال، وتطوير شبكات القيادة والسيطرة، وتنسيق إجراءات تبادل المعلومات، وإنشاء مراكز عمليّات مشتركة، وتبادل الضباط والخبرات، وتنفيذ تدريبات ومناورات متعدّدة الجنسيات بصورة دورية، واعتماد بروتوكولات موحّدة للاتصالات وإدارة الأزمات، بما يرفع مستوى التكامل بين القوات الجوية والبرية والبحرية والدفاعات الجوية، ويعزّز قدرتها على العمل ضمن منظومة دفاعية عربية متكاملة.

الموارد العسكرية والتمويل

يتطلّب إنشاء تحالف دفاعي عربي موارد مالية وعسكرية كبيرة تشمل تطوير البنية التحتية، وإنشاء مراكز القيادة والعمليات، وتحديث شبكات الاتصالات، وتوفير المعدات المشتركة، وتمويل التدريبات والمناورات، وتطوير منظومات الإنذار المبكر والاستطلاع، مع الاستفادة من القدرات المالية والصناعية المتفاوتة بين الدول العربية عبر إنشاء "صندوق دفاع عربي مشترك" تُحدد مساهمات الدول فيه وفق معايير تجمع بين حجم الاقتصاد والقدرة المالية وحجم القوات المسلحة ودرجة الاستفادة من منظومة الدفاع الجماعي، بما يحقّق توزيعًا متوازنًا للأعباء، ويضمن استدامة التمويل، ويدعم المشروعات الدفاعية ذات الأولوية الاستراتيجية.

تقوية النفوذ السياسي

يمكن للنّاتو العربي تعزيز الحضور السياسي للدول الأعضاء على المستويين الإقليمي والدولي من خلال تنسيق المواقف تجاه قضايا الأمن الإقليمي، وتوحيد الرؤى في المحافل الدولية، وتطوير قدرة جماعية على إدارة الأزمات والتفاوض بشأنها، مع توسيع التنسيق عبر الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي والمنظمات الإقليمية والدولية، بما يمنح الدول العربية قوة تفاوضية أكبر، ويدعم قدرتها على حماية مصالحها الاستراتيجية وصياغة مواقف جماعية تجاه القضايا المرتبطة بالأمن العربي.

نموذج عربي متدرّج للأمن والدفاع يتشكّل مع نضج الإرادة السياسية وتطور المصالح المشتركة

كما يمكن للنّاتو العربي تطوير منظومة مشتركة لمواجهة التهديدات الأمنية الحديثة، تشمل الهجمات السيبرانية، والطائرات المُسيّرة، والحرب الإلكترونية، والإرهاب العابر للحدود، وأمن الفضاء، وأمن الطاقة، وحماية البنية التحتية الحيوية، من خلال إنشاء مراكز متخصّصة في الأمن السيبراني ومواجهة الطائرات المُسيّرة والحرب الإلكترونية، وتطوير شبكات للإنذار المبكر وتبادل المعلومات والخبرات، بما يعزز القدرة الجماعية على رصد التهديدات والاستجابة لها، ويفتح مجالًا واسعًا للتعاون التكنولوجي وتطوير القدرات الدفاعية العربية المشتركة.

وفي الختام، قد تنتقل فكرة "النّاتو العربي" خلال السنوات المقبلة من نطاق الطرح السياسي إلى مسار أكثر واقعية، مع تطوّر مفهوم الأمن العربي وتغيّر موازين القوى في المنطقة، بما يفتح الطريق أمام بناء إطار عربي جديد للدفاع الجماعي يستجيب لخصوصيّة المنطقة واحتياجات دولها، من دون ضرورة استنساخ التجربة الأطلسية؛ فالمستقبل قد لا يحمل "ناتو عربيًا" بالمعنى التقليدي، وإنّما نموذجًا عربيًا متدرّجًا للأمن والدفاع يتشكّل مع نضج الإرادة السياسية وتطور المصالح المشتركة.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن