لم ينشأ مسار الخصخصة في العالم العربي نشأةً اقتضاها التطوّر التاريخي من تراكمٍ لرأس المال، أو تشكّل طبقة بورجوازيّة وطنيّة، وإنّما نشأ مثل غيره من المسارات بعد ولادة قيصريّة بسبب الأعطاب البنيويّة التي زامنت بناء الدولة الوطنيّة وتطوّرها. ففي تونس، أفضت أحداث يناير/كانون الثاني عام 1978 الدامية، إثر تصادم الاتحاد العام التونسي للشغل بالسلطة، إلى تداعيات خطيرة أفضت إلى أزمةٍ مركّبةٍ خانقةٍ انكشفت بوضوح منتصف ثمانينيّات القرن العشرين. وقد سعت السلطة بمقتضى ذلك الوضع إلى الانفتاح على المؤسّسات المالية الدوليّة المانحة للقروض مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، والعمل بتوصياتها.
لكن المنعرج الحاسم حدث بداية التسعينيّات، حين تمّ فسح المجال لخصخصة ارتجاليّة لم ينجُ من تيّارها الزّاحف حتّى القطاعات الحيويّة والمؤسّسات الناجحة. ولم يكن تضاعف أعداد المؤسّسات التعليميّة الخاصّة بعد عام 2011 إلّا نتيجة منتظرة لمنعرج التسعينيّات. فقد وصل عدد المدارس الابتدائيّة الخاصّة إلى 811 مدرسة عام 2025 بعد أن كان 774 مدرسة عام 2024، وفي العام عينه تطوّر عدد المدارس الإعداديّة والثانويّة الخاصّة من 584 مؤسّسة إلى 601 مؤسّسة في سبتمبر/أيلول 2025.
التعليم والقضاء متّصلان بالأمن القومي
لئن كان يمكن فهم ذلك التوجّه بوضعه في سياق العولمة، وتغلغل نفوذ الشركات متعدّدة الجنسيّات، فإنّ هذه التفسيرات لا يمكن أن تحجب سياسة التخبّط في العالم العربي. فالخصخصة لم تقترن بتكريسٍ فعلي لمبادئ تكافؤ الفرص والشفافيّة والنزاهة والحوكمة الرشيدة وتدعيم الحرّيات، وإنّما كانت التفافًا آخر على الاستحقاقات الوطنيّة المشروعة في تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعيّة. ولعلّ من مؤشّرات ذلك استئثار المقرّبين من السلطة ولا سيما من العائلة الحاكمة زمن بن علي بقروض كبيرة مُيسّرة من دون ضمانات.
إذا كان ربط خصخصة التعليم بخصخصة القضاء قد يبدو غريبًا، فإنّ التفحّص الدقيق يكشف أنّ هذيْن المجاليْن غير بعيديْن عن بعضهما لأنهما متّصلان بالأمن القومي. فالتعليم يُحيل إلى التحصين الذّاتي فكريًّا وثقافيًّا، والقضاء بصفته سلطة ومؤسّسة سيادية يتعلّق مباشرة بمجاليْ الأمن والعدالة بمفهومهما الواسع. وهو ما يؤكّد تلازم المسارين التعليمي والقضائي، وتتعدّد مُسوّغات الحديث عن خصخصة القضاء، ولعلّ من أبرزها تفاقم ظاهرة الإفلات من العقاب، وتعطّل العدالة الانتقالية، والفشل الذّريع حتّى في مبادرة الصلح الجزائي مثلما تكشف عنه بوضوح الحالة التونسيّة منذ مرحلة الانتقال الديموقراطي. وفي هذا الصدد، يتوجّب التذكير بأنّ قرارات عزل القضاة وإعفائهم (82 قاضيًا عام 2012 و57 قاضيًا عام 2022) تُعدّ من المؤشّرات التي تدفع إلى التساؤل عن مدى خضوع القضاء إلى قانون البورصات القائم على العرض والطلب بحكم ارتباط قرارات العزل بالمزاج أو المناخ السياسي بدليل صدور أحكام المحكمة الإداريّة المُناقضة لعددٍ من قرارات العزل المذكورة سابقًا؟.
التردّد مع الخيارات المصيرية لا يمكن أن يكون طوق نجاة عند استغلال القوى الدولية والإقليمية للأزمات لتحقيق مطامحها
لا سبيل إلى تجاوز هذه الحالات اللّاسويّة إلّا بالمراهنة الكلّية على استقلاليّة التعليم أسوةً باستقلاليّة القضاء لأنّهما مجالان استراتيجيّان يتّصلان اتّصالًا وثيقًا بالأمن القومي. فكلّما تدعّمت استقلاليتهما تعزّزت استقلالية القرار والسيادة الوطنية. فبدلًا من الحديث عن خصخصة التعليم يمكن طرح مبادرة التعليم التشاركي الذي يقوم على تعاضد مختلف الجهود الرسمية والشعبية من دون أن يُلغي حقّ الدولة في الإشراف على وضع البرامج والمناهج والمراقبة، بدل مواصلة المكابرة في الادّعاء بالقدرة على النهوض بالتعليم العمومي، في حين أنّ الخصخصة المرتجلة جعلت التعليم هجينًا فاشلًا في التربية المواطنية أساسًا. لذلك لا بدّ من المصارحة الذّاتية والمراهنة على التعليم التشاركي لتجنّب محاولات الاختراق الأجنبي باسم التمويلات الدوليّة والتعاون الفنّي.
بيد أنّه لا يمكن الحديث عن استقلاليّة القضاء أو التعليم إلّا في ظلّ دولة القوانين والمؤسّسات وقبل ذلك صفاء ذهن النّخبة السياسيّة، ووضوح رؤيتها التاريخيّة والاستشرافيّة. وهو ما يُفسّر تعطّل تشكيل المحاكم الدستوريّة في جلّ البلدان العربيّة. ولا شكّ أنّ التردّد الذي يسم تعامل الأنظمة القائمة مع الخيارات الكبرى المصيريّة لا يمكن أن يكون طوق نجاة عند اشتداد الأزمات الداخليّة واستغلال القوى الدوليّة والإقليميّة لها لتحقيق مطامحها في المنطقة!.
(خاص عروبة 22)

