في البَلْداتِ الحُدودِيَّة، لا تَبْدَأُ الحَرَكَةُ الاقْتِصادِيَّةُ مِنَ السّوقِ بِقَدْرِ ما تَبْدَأُ مِنَ المَعْبَر. مع فَتْحِ البَوّابَةِ قَبْلَ الشُّروقِ تَتَحَرَّكُ الشّاحِنات، وتَنْهَضُ معها المَقاهي وسَيّاراتُ الأُجْرَةِ ومَحالُّ الصِّرافَةِ والمُسْتَوْدَعات. وحينَ تُغْلَق، لا يَتَوَقَّفُ العُبورُ وَحْدَه، بَلْ يَمْتَدُّ الرُّكودُ سَريعًا إلى المَطاعِمِ والفَنادِقِ وبائِعي الخُبْزِ وقِطَعِ الغِيارِ والعامِلينَ اليَوْمِيّين. هَذا المَشْهَدُ يَتَكَرَّر، بِدَرَجاتٍ مُخْتَلِفَة، في الرَّمْثا الأُرْدُنِّيَّة، وبِنْقِرْدان التّونِسِيَّة، ورَفَحَ الفِلَسْطينِيَّة، وبَلْدَةِ المَصْنَعِ اللُّبْنانِيَّة، ووَجْدَةَ المَغْرِبِيَّة، حَيْثُ لَمْ تَعُدِ الحُدودُ مُجَرَّدَ خُطوطٍ على الخَرائِط، بَلْ أُصولًا لِاقْتِصادِيّاتٍ كامِلَةٍ تَسْتَنِدُ إلى عُبورِ البَشَرِ والبَضائِعِ أَكْثَرَ مِمّا تَقومُ على المَصانِعِ أَوِ الحُقول.
يُقْصَدُ بِـ"الاقْتِصادِ الحُدودِيِّ" الأَنْشِطَةُ الَّتي تَنْشَأُ بِسَبَبِ وُجودِ الحُدود، سَواءٌ مَرَّتْ في القَنَواتِ الرَّسْمِيَّةِ أَوْ خارِجَها. لِذَلِكَ هُوَ أَوْسَعُ مِنَ التَّهْريب، ويَشْمَلُ النَّقْل، والتَّخْليصَ الجُمْرُكِيّ، والمَناطِقَ الحُرَّة، والأَسْواق، والفَنادِق، والمَطاعِم، ومَحَطّاتِ الوَقود، والخِدْماتِ المالِيَّة. وَهَذا النَّمَطُ لَيْسَ عَرَبِيًّا فَقَط؛ هُوَ حاضِرٌ أَيْضًا عِنْدَ الحُدودِ الأَميرْكِيَّةِ - المِكْسيكِيَّة، أَوِ البولَنْدِيَّةِ - الأوكْرانِيَّة، أَوِ الصّينِيَّةِ - الفْيِتْنامِيَّة. غَيْرَ أَنَّ خَُصوصِيَّةَ الحالَةِ العَرَبِيَّةِ تَكْمُنُ في أَنَّ حَرَكَةَ الحُدودِ لا تَحْكُمُها السّوقُ وَحْدَها، بَلْ تَتَأَثَّرُ بِالحُروبِ والعُقوباتِ والانْقِساماتِ السِّياسِيَّة، ما يَجْعَلُ الاقْتِصادِيّاتِ المَحَلِّيَّةَ هَشَّةً وصَعْبَةَ التَّخْطيط.
توضِحُ دِراساتٌ لِـ"مُنْتَدى البُحوثِ الاقْتِصادِيَّة"، وهُوَ مَرْكَزٌ بَحْثِيٌّ إِقْليمِيٌّ مَقَرُّهُ القاهِرَة، أَنَّ اقْتِصادِيّاتِ الحُدودِ في مِنْطَقَتِنا نَشَأَتْ مِنْ تَداخُلِ ثَلاثَةِ عَوامِل: تَفاوُتِ التَّنْمِيَةِ بَيْنَ البُلْدانِ المُتَجاوِرَة، واخْتِلافِ الأَسْعارِ والدَّعْمِ والضَّرائِب، وضَعْفِ الاسْتِثْمارِ في المَناطِقِ الطَّرَفِيَّة. مِنْ هُنا، لا يُفَسَّرُ ازْدِهارُ التِّجارَةِ غَيْرِ الرَّسْمِيَّةِ بِضَعْفِ الرِّقابَةِ فَقَط، بَلْ أَيْضًا بِغِيابِ البَدائِل.
معابر برية في بنقردان والرّمثا ورفح والمصنع تُغذّي قطاعات كاملة
في الجَنوبِ الشَرْقِيِّ للجُمْهورِيَّةِ التّونِسِيَّة، تَبْدو بِنْقِرْدان، واحِدَةً مِنْ أَوْضَحِ صُوَرِ هَذا الواقِع. خَلُصَتْ دِراسَةٌ لِلْبَنْكِ الدُّوَلِيِّ إلى أَنَّ التِّجارَةَ غَيْرَ الرَّسْمِيَّةِ تُعادِلُ نَحْوَ خَمْسَةٍ في المِئَةِ مِنْ إِجْمالِيِّ الوارِداتِ التّونِسِيَّة، وأَنَّ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ المُبادَلاتِ التِّجارِيَّةِ مع دَوْلَةِ لِيبْيا يَجْري خارِجَ القَنَواتِ الرَّسْمِيَّة. وفي بِنْقِرْدانَ وَحْدَها يَعْمَلُ نَحْوَ ثَلاثَةِ آلافٍ وثَمانِمِئَةِ شَخْصٍ في هَذِهِ التِّجارَة، أَيْ ما يُقارِبُ 20 في المِئَةِ مِنَ السُّكّانِ النَّشِطينَ اقْتِصادِيًّا. هَذِهِ الأَرْقامُ تُفيدُ، بِبَساطَة، بِأَنَّ المَعْبَرَ لَيْسَ مُنْشَأَةً حُكومِيَّةً فَقَط، بَلْ سوقَ عَمَلٍ مَفْتوحَةً تَتَفَرَّعُ مِنْها أَرْزاقُ التُّجّارِ وسائِقي الشّاحِناتِ وأَصْحابِ المَطاعِمِ والفَنادِقِ والوَرَشِ الصَّغيرَة.
وفي المَمْلَكَةِ الأُرْدُنِّيَّةِ الهاشِمِيَّة، كانَ مَعْبَرُ جابِرٍ أَحَدَ أَهَمِّ الشَّرايينِ البَرِّيَّةِ في المَشْرِق، إِذْ عَبَرَتْهُ نِسْبَةٌ مُعْتَبَرَةٌ مِنَ الصّادِراتِ الأُرْدُنِّيَّةِ إلى الجُمْهورِيَّةِ العَرَبِيَّةِ السّورِيَّةِ والجُمْهورِيَّةِ اللُّبْنانِيَّةِ والجُمْهورِيَّةِ التُّرْكِيَّة. لَقَدْ بَلَغَتِ الصّادِراتُ الأُرْدُنِّيَّةُ إلى سورْيا وَحْدَها نَحْوَ 286 مِلْيونَ دولارٍ في عامِ 2011، قَبْلَ أَنْ تَهْبِطَ إلى نَحْوِ 43.7 مِلْيونَ دولارٍ في عامِ 2017 في خِضَمِّ الحَرْبِ السّورِيَّةِ وما رافَقَها مِنْ إِغْلاقاتٍ لِلْمَعْبَر. غَيْرَ أَنَّ الخَسارَةَ لَمْ تَكُنْ في أَرْقامِ التِّجارَةِ وَحْدَها؛ لَقَدْ ظَهَرَتْ أَيْضًا في آلافِ الرِّحْلاتِ الَّتي لَمْ تُنَفَّذ، ومَكاتِبِ التَّخْليصِ الَّتي أُقْفِلَت، ومَصادِرِ الدَّخْلِ الَّتي خَسِرَها العامِلونَ على الطَّريقِ وحَوْلَها.
أَمّا في رَفَح، فَيَبْدو المَعْبَرُ أَكْثَرَ مِنْ بَوّابَةِ تِجارَة؛ إِنَّهُ بَوّابَةُ حَياة. مِنْهُ تَمُرُّ المُساعَدات، ويَمُرُّ المَرْضى والطَّواقِمُ الطِّبِّيَّةُ والغِذاء. بَعْدَ إِغْلاقِهِ في مايو/أَيّار 2024، أَعْلَنَتِ الأُمَمُ المُتَّحِدَةُ أَنَّ 906 شاحِناتِ مُساعَداتٍ فَقَطْ دَخَلَتْ قِطاعَ غَزَّةَ خِلالَ الأَسابيعِ الأولى، في حينِ كانَتِ التَّقْديراتُ تُشيرُ إلى حاجَةِ القِطاعِ إلى نَحْوِ 500 شاحِنَةٍ يَوْمِيًّا لِتَأْمينِ الحَدِّ الأَدْنى مِنَ الاحْتِياجاتِ الإِنْسانِيَّة. وكُلَّما تَوَقَّفَتِ الحَرَكَة، تَضَرَّرَتْ شَرِكاتُ النَّقْلِ والمَخازِنُ والأَسْواق، وتَضَرَّرَ العامِلونَ الَّذينَ وَجَدوا أَنْفُسَهُمْ فَجْأَةً بِلا عَمَل.
وفي لُبْنان، كَشَفَتِ الأَزْمَةُ المالِيَّةُ المُسْتَمِرَّةُ مُنْذُ عامِ 2019 كَيْفَ تَسْتَطيعُ الحُدودُ أَنْ تُعيدَ تَشْكيلَ الاقْتِصادِ المَحَلِّيّ. لَقَدْ جَعَلَتْ فُروقُ الأَسْعارِ بَيْنَ لُبْنانَ وسورْيا، خُصوصًا في المُحْروقاتِ والطَّحينِ والأَدْوِيَةِ خِلالَ سَنَواتِ الدَّعْمِ الحُكومِيّ، التِّجارَةَ غَيْرَ الرَّسْمِيَّةِ عَبْرَ الحُدودِ الشَّرْقِيَّةِ أَكْثَرَ نَشاطًا. وبَيْنَما خَسِرَتِ الدَّوْلَةُ جُزْءًا مِنْ مَوارِدِها، وَجَدَ الكَثيرونَ مِنْ سُكّانِ البَلْداتِ الحُدودِيَّة، ولا سِيَّما المَصْنَع، في هَذِهِ الحَرَكَةِ وَسيلَةً لِلْبَقاءِ وَسْطَ انْهِيارِ الاقْتِصادِ الرَّسْمِيّ.
المناطق الحدودية يمكن أن تتحوّل إلى مُحرّكات للتنمية إِذا أدارتها الدول العربية بمنطق التكامل الاقتصادي
غَيْرَ أَنَّ حَصْرَ البَلْداتِ الحُدودِيَّةِ في صورَةِ التَّهْريبِ أَوِ الهاجِسِ الأَمْنِيِّ يَحْجُبُ إِمْكانِيَّاتِها التَّنْمَوِيَّة. في مَناطِقَ كَثيرَةٍ مِنَ العالَم، تَحَوَّلَتْ هَذِهِ البَلْداتُ إلى مَراكِزَ صِناعِيَّةٍ ولوجيسْتِيَّةٍ ومَناطِقَ حُرَّة، وساعَدَتِ الرَّقْمَنَةُ والتَّخْليصُ الجُمْرُكِيُّ الإِلِكْترونِيُّ وأَنْظِمَةُ مُتابَعَةِ الشَّحَناتِ على جَعْلِ الحُدودِ أَكْثَرَ كَفاءَةً وأَقَلَّ اعْتِمادًا على الوُسَطاءِ والاقْتِصادِ غَيْرِ الرَّسْمِيّ. أَمّا في العالَمِ العَرَبِيّ، فَلا تَزالُ هَذِهِ الفُرْصَةُ مُؤَجَّلَةً في الأَغْلَب، لِأَنَّ الأَمْنَ والسِّياسَةَ يَتَقَدَّمانِ على التَّنْمِيَة، فَتَظَلُّ بَلْداتٌ كامِلَةٌ مُعَلَّقَةً على قَرارٍ سِياسِيٍّ يَصْدُرُ في عاصِمَةٍ بَعيدَة، أَوْ على حَرْبٍ لا يَدَ لَها فيها.
لَكِنَّ مُسْتَقْبَلَ البَلْداتِ الحُدودِيَّةِ العَرَبِيَّةِ لَيْسَ مَحْكومًا بِالضَّرورَةِ بِدَوْراتِ الإِغْلاقِ والأَزْمات. هَذِهِ المَناطِقُ يُمْكِنُ أَنْ تَتَحَوَّلَ مِنْ هَوامِشَ أَمْنِيَّةٍ إلى مُحَرِّكاتٍ لِلتَّنْمِيَةِ إِذا انْتَقَلَتِ الدُّوَلُ العَرَبِيَّةُ مِنْ إِدارَةِ الحُدودِ بِمَنْطِقِ الضَّبْطِ وَحْدَهُ إلى إِدارَتِها بِمَنْطِقِ التَّكامُلِ الاقْتِصادِيّ. وذَلِكَ يُمْكِنُ أَنْ يَشْمَلَ تَطْويرَ مَناطِقَ لوجيسْتِيَّةٍ وصِناعِيَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ حَوْلَ المَعابِر، وتَبْسيطَ الإِجْراءاتِ الجُمْرُكِيَّة، ورَبْطَ المَوانِئِ البَحْرِيَّةِ بِالمَنافِذِ البَرِّيَّة، وتَوْحيدَ كَثيرٍ مِنَ المُواصَفاتِ الفَنِّيَّةِ والرِّقابَةِ الجُمْرُكِيَّة، بِما يَخْتَصِرُ زَمَنَ عُبورِ البَضائِعِ ويُخَفِّضُ تَكْلِفَتَه. كَذَلِكَ يُمْكِنُ لِلْمَناطِقِ الحُدودِيَّةِ أَنْ تَسْتَفيدَ مِنْ مَشاريعِ الرَّبْطِ العَرَبِيِّ في النَّقْلِ والطّاقَة، فَتَتَحَوَّلُ المَعابِرُ مِنْ نِقاطِ انْتِظارٍ إلى عُقَدٍ اقْتِصادِيَّةٍ تَرْبِطُ الأَسْواقَ العَرَبِيَّة.
(خاص "عروبة 22")

