تقدير موقف

عن الأحزاب والسياسة في سوريا!

تبدو قصة الأحزاب في سوريا اليوم في إشكالية كبيرة، الأهم في هذه الإشكالية تناقض أفكار واختلاف السوريين حولها، حيث السلطة الجديدة ترفض في الغالب الأعمّ فكرة وجود أحزاب سياسية، فيما ينقسم الجمهور إلى قسميْن؛ الأول جمهور عام يميل إلى موقف الحكومة، وإن يكن بخلفيّات أكثر تنوّعًا، والقسم الثاني أساسه جمهور الأحزاب والمنخرطين فيها من قيادات وكوادر ومؤيّدين باختلاف انتماءاتهم الإيديولوجية والسياسية وتجاربهم التنظيمية.

عن الأحزاب والسياسة في سوريا!

السلطة الحالية في سوريا في حقيقتها المؤكّدة، هي تنظيم إيديولوجي يتبنّى سياسات محدّدة، وفيها شبكة تنظيمية ذات تراتبية، وهي فوق ما تقدّم مسلحة، وكلّها مواصفات تجعلها في مرتبة الحزب، حتى وإن اتخذت اسم "هيئة تحرير الشام"، بل هي أشد أنواع الأحزاب قوةً وتشدّدًا وفق الوقائع الظّاهرة والمعروفة عنها، ورفض فكرة الأحزاب الشائع عندها، يستند في أساسه إلى واحد من سببَيْن؛ الأول ما أحيطت به كلمة الأحزاب بالمعنى الدّيني، والثاني رغبة عميقة في الانفراد بالسلطة، وهو نزوع معروف عند أغلب الجماعات الحزبيّة ضمن التجربة العربية باتجاهاتها الإيديولوجية والسياسية.

نظرة السوريين إلى السياسة والسياسيين والأحزاب صارت سلبيّة وكان ذلك يُريح نظام الأسد

الرّافضون من الجمهور لفكرة الأحزاب غالبًا، لم يكونوا في صلة معها، وغالبًا ليسوا على صلة بالسياسة، وفكرتهم عن الاثنتين ملتبسة ومثقلة بخلفيّات، لعلّ الأهم فيها تجربتا سوريا عامي 1963 و2024، اللتان بدأتا بأحزاب متصارعة حدّ الدم بين البعث والآخرين، ثم تحوّلتا إلى نظام ديكتاتوري مستبدّ وعائلي بوصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970، ثم باحتلال ابنه بشار سدّة السلطة عام 2000 وصولًا إلى سقوطه عام 2024، وقد زيّن الاثنان حكمهما بديكور الجبهة الوطنية التقدّمية، وأطلقا قبضة متوحّشة في مواجهة النزوع السياسي عند السوريين، وخلقا نظامًا أغلق الفضاء العام، وجرّم العمل السياسي في الفكر والممارسة والتنظيم، ولاحق كلّ التنظيمات والجماعات بما فيها الجماعات الصورية المتحالفة معه، ودفع البقية إلى سرّية مفرطة، أخذتها بعيدًا عن طبيعتها وأهدافها، وخلقت فيها أمراضًا لا علاجات لكثير منها سوى تصفية التجربة القائمة، ما ترك أثرًا ملموسًا في موقف قطاع مهمّ من السوريين، فصارت نظرتهم إلى السياسة والسياسيين والأحزاب سلبيّة، وكان ذلك يُريح نظام الأسد، ويعطيه حيّزًا أكبر من الأمان والرضى.

بعد انطلاقة ثورة 2011، ردّ النظام بالحرب الدموية الشاملة على السوريين، وانقسمت طليعة الثورة، التي بدأت مدنية وسياسية، إلى شقَّيْن؛ أولهما حاول الاستمرار في الخط المدني السياسي عبر خلق هيئات عمل وطني، وآخر اتجه إلى عسكرة الصراع وتشكيل جماعات مسلحة، ما قسّم السوريين إلى طرفين، لكنّ بعض الجماعات سعت لتكون كما فعل "الإخوان المسلمون" على طريق أسلمة الثورة، إذ عزّزوا وجودهم كجماعة مشاركة في المجلس الوطني ولاحقًا في الائتلاف ضمن الخط السياسي والمدني، وبالتوازي شاركوا في تشكيل جماعات مسلحة، وانخرطوا في أخرى ضمانًا لوجود ودور في احتمالات المصير السوري.

عزّزت هذه التحوّلات وما جرى في الطريق إليها نظرة سلبيّة في أوساط السوريين حيال الجماعات السياسية والمدنية وخيارات الحلّ السياسي في سوريا، خاصّةً في ضوء الفشل في الوصول إلى حلول بفعل تشدّد النظام ورفضه للحلّ، وليس فقط نتيجة ضعف الجماعات السياسية والمدنية والخلافات القائمة بينها، خاصة أنّ الجماعات المسلحة لم تكن أحسن حالًا لا في أوضاعها ولا في علاقاتها البينية، إذ أدّى كلاهما إلى صدامات وتصفيات ذات كلفة عالية على جمهور الثورة وعلى سوريا والسوريين، ولم تحقّق الجماعات المسلّحة نجاحات على طريق الحل إلّا بعد التغيّر الجذري في الموقف الإقليمي والدولي من نظام الأسد، ما جعل إطاحته ممكنة، بل وسهلة في العام 2024، وكان لها أقلّ فاتورة ممكنة للتغيير في سوريا.

الأحزاب هي إحدى تعبيرات الإدارة الديموقراطية في المجتمعات الحديثة

إن المشترك في رؤية معارضي فكرة الأحزاب والسياسة، أنّها تتضمّن ثلاث نقاط أساسية، أولاها ميراث الحكم البعثي ثم الأسدي الطويل بما خلّفه لدى أغلب السوريين من توجّس وخوف من فكرة السياسة والأحزاب باعتبارهما توجّهين محاطين بالإشكالات والاتهامات، وتعزّزت تلك الرؤية بالاستناد إلى فهم ديني تبسيطي، تمّ توظيفه من جماعات أغلبها تنتمي إلى جماعات الإسلام السياسي.

وخلافًا للحشد السابق، فإنّ فكرة الأحزاب والسياسة تجد لها دعاة وعاملين وأنصارًا موزّعين في عموم الكيان السوري الجغرافي والإيديولوجي والسياسي، بل الجنسي والعمري، وخاصة وسط الفئات المتوسطة والنخبة الثقافية والاجتماعية، وتمتدّ أسباب انتشارها إلى أنّها فكرة عالمية ذات وزن ومكانة، وهي إحدى تعبيرات الإدارة الديموقراطية في المجتمعات الحديثة من حيث تمثيل الفئات ومشاركتها في السلطة والثروة وفي معالجة المشاكل التي تعترض مسارات الاجتماع المشترك والتقدم نحو المستقبل. 

غير أنّ الفكرة العامة حول الأحزاب والسياسة، تواجه ارتباكات في الواقع السوري ليس فقط بسبب إرث سياسي وتنظيمي كرّسته تجارب العقود الماضية، إنّما أيضًا بفعل الانتهاك والتدمير الذي أصاب البنية البشرية السورية فقرًا وجهلًا وقتلًا وتهجيرًا وخاصةً في سنوات الحرب الطويلة والمدمّرة للبشر والحجر والشجر، لذلك يبدو فهم سلوك كثير من الجماعات والكوادر وأنصار الأحزاب والسياسة مرتبكًا بشكل عام ومستويات تجاوبه مع الاحتياجات والمهمّات متفاوتة، ولا شك أنّ البعض يتقدم ولو بصورة بطيئة، لكن الأكثرية تدور في حلقات مفرغة.

التفاهم حول إعادة بناء الدولة يفرض نقاش الخيارات الأساسية في أجواء من الحرية والمسؤولية من أجل بناء المشتركات

إن دور السلطة الجديدة حيال السياسة والأحزاب وحيال العمل المدني أيضًا فيه التباس، إن لم نقل حذرًا وتخوفًا لا مبرّر لهما. فحاجة سوريا اليوم إلى وحدة السوريين ضرورة مطلقة، كما أنّ التفاهم السوري حول إعادة بناء الدولة في أولوياتها وتوجهاتها، يفرض الخوض في الخيارات الأساسية على الأقل، ونقاشها في أجواء من الحرية والمسؤولية من أجل بناء المشتركات، ما يعني اجتماع وجهات النظر في مساحات حوار واحدة.

وإذا كان من المؤكّد أنّ خطوات السلطة الجديدة لن تكون سهلةً في ضوء ما رأينا قرابة العامين الماضيين من عمرها، فهذا شيء لا بدّ منه، وطبيعي أن تفعله، وهذا يفتح الباب نحو الحديث عن الأحزاب وجماعات السياسة في سوريا، والتي لا شك أنها أمام تحدٍّ مماثل كما هو حال السلطة، لكن أصعب، وأصعب بكثير لأن أوضاع جماعات الأحزاب والسياسة أكثر تعقيدًا، واتفاقاتها أكثر صعوبة كما يقول الواقع والتجربة، لكنّها لا بد أن تفعل، أو تبدأ فيها على الأقل، لأن مستقبل سوريا والسوريين يستحق تفاعلًا إيجابيًّا مع التحديات القائمة والمحتملة!.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن