شكّل الهجوم الحوثي المفاجئ صدمةً في الشارع اليمني، الذي تلقّى تأكيدات من قيادات بارزة في جماعة الحوثي بأنّ الجماعة لن تنجرّ إلى مواجهة داخلية، وأنّ مشكلتها هي مع الرياض. وبعد استهدافها مطارًا في جنوب السعودية ومنشأة نفطية في غربها، أعلنت الجماعة حظر الملاحة على السفن السعودية في البحر الأحمر وخليج عدن، قبل أن توسّع نطاق الحظر ليشمل أي مكان تطاله صواريخها وطائراتها المُسيّرة.
وكان الحوثيّون قد رفعوا شعار "المطار مقابل المطار، والميناء مقابل الميناء"، في إشارةٍ إلى مطالبهم بإلغاء قرارات مجلس الأمن الدولي التي تفرض حظرًا على توريد الأسلحة إلى الجماعة، وإنهاء عمل لجنة التفتيش الأمميّة في جيبوتي، التي تتولّى تفتيش السفن قبل وصولها إلى الموانئ الخاضعة لسيطرة الحوثيّين. وأضافوا إلى ذلك مطلب استئناف تصدير النفط والغاز، لتوفير الإيرادات اللّازمة لدفع رواتب الموظفين في مناطق سيطرتهم.
ومع الهجوم على مواقع القوات الحكوميّة، بدا أنّ التصعيد الحوثي دخل مرحلةً جديدةً، خصوصًا أنّه تزامن مع توقيع السعودية وتركيا وباكستان اتفاقيةً للدفاع المشترك، وهو ما فُهم على نطاق واسع باعتباره خطوة لتعزيز قدرة الرياض على مواجهة أي هجمات قد تنفّذها الجماعة ضد الأراضي السعودية. لكنّ الحوثيين برّروا استهدافهم مواقع القوات الحكومية بالقول إنها "حشود سعودية" تستعدّ لمهاجمة مناطق سيطرتهم!.

وفي موازاة ذلك، ومع تراجع الهجمات الحوثيّة على الأراضي السعودية، كثّفت الجماعة هجماتها على ميناء المخا القريب من باب المندب، وبوتيرةٍ غير مسبوقةٍ، إذ أمطرته بعشرات الصواريخ والطائرات المُسيّرة، ما أدّى إلى توقّف العمل فيه بعد تعرّض أرصفته ومنشآته لأضرار، إلى جانب استهداف معدّات ومشروعات توسعة الميناء. حيث يُعتقد على نطاق واسع أنّ الحكومة كانت تقوم بتوسعة الميناء ورفع قدرته الاستيعابية ليكون بديلًا لميناء الحديدة الخاضع لسيطرة الحوثيين، ويشكّل أحد أهم مواردها المالية. ولهذا امتدت الهجمات إلى استهداف سفينة تجارية بعد فترة من مغادرتها، في هجومٍ أسفر عن مقتل أربعة من أفراد طاقمها واثنين من المنقذين اليمنيّين.
وعلى الرغم من أن هذا التحوّل يُثير مخاوف من تجدّد القتال على نطاق واسع، بعد نحو أربع سنوات من الهدنة الهشّة التي رعتها الأمم المتحدة، فإنّ مصادر عسكرية وسياسية ترى فيه خطوةً استباقيةً من الحوثيين لإحباط ما تقول إنّه تحرّك يجري الإعداد له من جانب الحكومة المعترف بها دوليًّا، بدعم سعودي، بهدف الضغط على الجماعة للعودة إلى مسار السلام والتراجع عن بعض شروطها.
وبحسب هذه القراءة، لا تبدو الرياض راغبةً في العودة إلى حربٍ مفتوحةٍ مع الحوثيّين المتحالفين مع إيران، لكنّها تعمل، في المقابل، على إعادة تأهيل القوات الحكومية وتسليحها ورفع جاهزيتها بما يمكّنها من خوض معركةٍ يُراد لها أن تكون حاسمةً بما يكفي لدفع الحوثيّين إلى قبول اتفاق سلام يقوم على المرجعيّات الدولية ويُنهي صراعًا مستمرًّا في اليمن منذ أكثر من عقد.
غير أن موعد هذه المواجهة ومكانها، إن كانت ستقع أصلًا، لم يتحدّدا بعد. وفي المقابل، يسعى الحوثيون إلى التحكّم في توقيت أي مواجهة ومكانها بما يتناسب مع قدراتهم العسكرية، والعمل على انتزاع عنصر المفاجأة من الطرف الحكومي.

وهنا تبدو الحرب اليمنية وكأنّها لم تنتهِ، وإنّما أُجّلت فقط. فالهدنة التي أوقفت المعارك الواسعة لم تُنتج تسويةً سياسيةً، فيما استمرّت الأطراف في إعادة ترتيب أوراقها استعدادًا لمرحلةٍ جديدة.
وبينما تحاول الحكومة وحلفاؤها بناء قدرة عسكرية يمكن أن تمنحهم ورقة ضغط في أي مفاوضات مقبلة، يعمل الحوثيّون على استباق هذه اللحظة بتوسيع نطاق ضرباتهم واختيار ساحات جديدة للتصعيد.
(خاص عروبة 22)

