سُميّت حرب لبنان في بعض الأدبيات: "حرب الآخرين على أرض لبنان"، وقد يكون هذا التوصيف صحيحًا لجهة التدخّلات التي عرفها لبنان، إلّا أنّ هذه التسمية تُعفي الأطراف اللبنانية من يمين ويسار ومسلمين ومسيحيين من المسؤولية، كأنّ ما حدث قد فُرض وكَأنَّ ما جرى من معارك ومجازر وخطف على الهوية قامت به جهات خارجية. والحقيقة التي لا بدّ من تأكيدها هي أنّ الأطراف المتنازعة هي التي استدعت الخارج استقواءً على الخصم الداخلي.
وعلى الرغم من كلّ ما حدث، ليس فقط في حروب الطوائف في ما بينها، ولكن الصراعات داخل الطائفة الواحدة، فإنّنا لم نسمع يومًا أنّ زعيمًا أو مسؤولاً حزبيًّا، قد راجع مواقفه وأدوار الفريق الذي يقوده، بالنقد أو الاعتراف بالخطأ.
قادة في الحرب استمرّوا حتى يومنا هذا يُديرون شؤون البلاد
في الذكرى الأربعين لاغتيال جورج حاوي، في 7 أغسطس/آب عام 2005، ألقى أمين عام منظمة العمل الشيوعي محسن إبراهيم كلمة (وكان آنذاك قد جمّد نشاطه ونشاط المنظمة) ضمّنها مراجعةً ونقدًا للحركة الوطنية التي شاركت في الحرب متحالفةً مع المقاومة الفلسطينية، قائلًا: "إن الحركة الوطنية قد ارتكبت خطأيْن، الأول: هو استسهال الحرب الأهلية وركوب سفينة العنف والحرب تحت وهم اختصار الطريق نحو التغيير الديموقراطي. والثاني: تحميل لبنان فوق طاقته بإباحة الساحة اللبنانية بالكامل للمقاومة الفلسطينية المسلّحة ما حمّل البلاد أعباءً عسكريةً وسياسيةً تفوق قدرتها على الاحتمال".
لم يتقبّل الخطباء المشاركون في الاحتفال كلام محسن إبراهيم النقدي، الذي اقتصر على فقرتيْن تحملان تقييمًا يقود إلى فتح دفاتر الحرب، ومراجعة الأخطاء والارتكابات التي مورست خلالها. وهذا ما لا يريده أحدٌ من الذين كانوا قادة في الحرب واستمرّوا حتى يومنا هذا يُديرون شؤون البلاد، أو أبناؤهم الذين ساروا على نهجهم.
تواطؤ ضمني بين الأطراف المتخاصمة
والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا ترفض الأطراف السياسية وأحزابها، المراجعة والنقد؟
- ليس لدينا ثقافة المراجعة والنقد الذّاتي. فكلّ ما جرى من أخطاء يُسهّل تحميل مسؤوليته إلى الآخر، وليس بسبب سوء التقدير والإمعان في الخطأ والارتكاب.
- لا يمكن لقائد حزب أو ميليشيا أو زعيم جماعة مهما ارتكب من أخطاء، أن يفسح المجال للمراجعة، لأن ذلك سيفقد الجماعة الثقة بذاتها قبل فقدان الثقة بالزعيم. إنّ تماسك الجماعة الحزبية أو الطائفية يكمن في التضامن وغضّ النظر عن الأخطاء والارتكابات، من أجل الوحدة وعدم تسرّب الشكوك إلى خيارات الجماعة وزعزعة الثقة بالقيادة والزعامة.
- ليس من سببٍ يدفع إلى الاعتراف بالأخطاء والتجاوزات والخيارات السيئة طالما أنّ الطرف الآخر لا يقوم بذلك. وهذا الأمر بحدّ ذاته ينطوي على تواطؤ ضمني بين الأطراف المتخاصمة. خصوصًا أنّ الأخطاء ليست مجرّد حسابات وخيارات تدخل في باب الرأي والسياسة، ولكنّها ارتكابات انطوت على جرائم معروفة وفساد مستشرٍ.
كل الأطراف كانت مدركة أنّ البلاد ذاهبة إلى الإفلاس من دون أي شعور بالمسؤولية
- إنّ الأطراف التي تصارعت وتقاتلت أثناء الحرب هي نفسها تسلّمت السلطة وتشاركت في الحكومات المتعاقبة وتواطأت على الفساد وتقاسم السلطة والوزارات والمنافع والسرقات وصولًا إلى إفلاس البلد. ومع ذلك، فإنّ المسؤولية لا يتحمّلها الذين أداروا البلاد، ولا طرف يضع اللوم على الآخر، لأنّ كل الأطراف كانت مشاركة ومدركة أنّ البلاد ذاهبة إلى الإفلاس من دون أي شعور بالمسؤولية.
لا مراجعة، وبالتالي لا محاسبة. إنّ التواطؤ في الصمت يرجع إلى سبب رئيسي هو خشية المحاسبة الأهلية قبل القانونية.
ومع ذلك، فإنّ اللبنانيين يعرفون الحقائق على الرغم من السعي الدؤوب لطمسها.
(خاص عروبة 22)

