تتوالى فصولُ التصعيد في المنطقة على وقع الضربات العسكرية الأميركيّة ضد الشرايين الحيوية المدنية والعسكرية التي تمتلكها إيران، في محاولةٍ لإضعاف قدراتها وجرّها نحو العودة إلى طاولة المفاوضات. لكن لطهران حساباتها الاستراتيجيّة، لا سيّما أنها ليست في وارد التنازل أو الظهور بموقع الضعف أو الخسارة، بعد "نعي" مذكرة التفاهم المُبرَمَة، ما يدفعها إلى رفع كلفة المواجهة. وبالتالي، لجأت إلى توجيه هجماتٍ عنيفةٍ ضدّ دول الجوار، وتوسيع بنك أهدافها ليشمل بنىً تحتيّةً رئيسيّةً، كمحطاتٍ لتحلية المياه وتوليد الكهرباء، ما يضع الجميع دون استثناءٍ أمام ضغوطٍ وتراكماتٍ يَصعُب السيطرة عليها أو التكهن بنتائجها. فالوقائع والأحداث لا تشي بأن التهدئة ستكون عنوان المرحلة المقبلة، مع غياب الحديث عن مساعٍ أو وساطاتٍ يجري العمل عليها في الوقت الراهن للحدّ من التوتر، بعد فشل مبادرات إسلام آباد والدوحة ومسقط السابقة، نتيجة غياب الأرضية المشتركة والنوايا الإيجابيّة للتوصل إلى اتفاقٍ حقيقيٍّ لا مجرد مذكراتٍ تتناول أمورًا فضفاضةً وتؤجّل البتّ في ملفاتٍ حاسمة.
فالمذكرة التي أبصرت النور على عجل، لم تصمد طويلًا، ما يتّفق مع معظم التحليلات، التي رأت أن العودة إلى الحرب مسألة وقتٍ، وأن كلاهما، أي واشنطن وطهران، تكسبان الوقت وتعدان العدّة لاستكمالِ القتال وإمكانية تمدّده إلى جبهاتٍ جديدة. يتزامن ذلك مع تلويح النظام الإيرانيّ المستمرّ بخلق اضطراباتٍ في مضيق باب المندب ورفع "ورقة" الحوثيين. فضلًا عن استثمارها في الأزمة اللبنانية، التي تمرّ بمرحلةٍ مفصليةٍ، في ظلِّ محاولات الدولة تكريس سلطتها وحصر القرار السيادي في مؤسساتها، والحدّ من التدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية. وأعلن قائد "فيلق القدس" إسماعيل قآني، أمس الأحد، في بيانٍ، استمرار قادة وعناصر "جبهات المقاومة" في نهجهم تحت قيادة المرشد مجتبى خامنئي، على الرغم من عدم ظهوره أبدًا، واستمراره في نشر كلماتٍ مكتوبةٍ يُهدّدُ فيها الأعداء بالانتقام والثأر. لكن أيًّا من الجبهات التي تتوعّد طهران بفتحها سيضعُ العالمَ أمامَ حقيقةٍ واحدةٍ، وهي أنها تستخدم "حرب المضائق" أداةً لترويع الاقتصاد، وعرقلة حركة الملاحة، وإحداث اختلالاتٍ في الأسواق العالمية. فمضيق هُرمز يحتلُّ اليوم صدارة الأحداث السياسيّة، مع تأكيد الجانب الإيرانيّ السيطرة عليه وتحديد ترتيبات "اليوم التالي" فيه. بينما تسعى واشنطن، عبر فرض حصارٍ بحريٍّ على الموانئ الإيرانيّة والإعلان عن مسارٍ جديدٍ للسفن جنوبيّ المضيق أي المسار العُماني، إلى فرض واقعٍ جديدٍ يجرّدُ طهرانَ من قوتها ونفوذها الحالي. وفي هذا السياق، شدّد نائب وزير الخارجيّة الإيرانيّ للشؤون القانونيّة كاظم غريب آبادي على أن بلاده لن تقبل، "تحت أيّ ظرفٍ"، مسارًا جنوبيًا مقترحًا لعبور السفن من دون موافقتها، وستفرض ما تعتبره سيادتها على الممر المائيّ "بأيّ ثمن". وأضاف أن الولايات المتحدة انتهكت التزاماتها أولًا، وأن الأولوية الإيرانيّة أصبحت التصدي للضغوط الأميركيّة.
ويتّهم كل طرفٍ الآخر بنقض الاتفاق المُوَقَّع مع تفسيراتٍ "خاطئةٍ" لبنود المذكرة، ما ساهم في زيادة المعطيات "الخاطئة" بناءً على "غايةٍ في نفس يعقوب". فإيران، التي وافقت مقابل شروطٍ على فتح المضيق بشكلٍ كاملٍ واستئناف حركة السفن، لم توقفْ استهدافاتها. حتى أنها فرضت على الجميع التنسيق معها، والحصول على إذنٍ مسبقٍ منها، مقابل ما تسميه "العبور الآمن"، ما يتناقض مع القانون الدوليّ. وستكون كلفة استمرار الصراع الدامي مرتفعةً، ومن هنا، يمكن فهم أن الجانبين، على الرغم من التصعيد، يحاولان الإبقاء على خطوط التفاوض مفتوحةً، لكن مع رفع سقف المواجهة. وقال القائد السابق لـ"الحرس الثوري" والمستشار العسكري للمرشد الإيرانيّ محسن رضائي، إن أيّ محادثاتٍ مقبلةٍ ستتطلبُ صياغةَ مذكرةٍ جديدةٍ، لأن الظروفَ تغيرت ولم يعد ممكنًا العودة إلى التفاهم السابق، معتبرًا أن "قضيتي التعويضات والانتقام أصبحتا جزءًا من الموقف الإيرانيّ". وهدّد الولايات المتحدة، عبر التأكيد أن إيران لم تستخدم حتى الآن جميع قدراتها، وأنها قد تلجأ، إذا استمرت العمليات الأميركيّة، إلى قدراتٍ إضافيّةٍ تشمل القوات البرية ووسائل عسكرية أخرى. في المقابلِ، نقلت وكالة "رويترز" عن وزيرِ الخارجية الأميركيّ ماركو روبيو إشارته إلى أن واشنطنَ لا تزالُ منفتحةً على حلٍّ دبلوماسيٍّ مع إيران. بينما وضعَ الرئيس دونالد ترامب الضربات العسكرية الأخيرة في إطار الردّ على مقتل الجنود الأميركيين في الأردن قبل أيامٍ. فقال: "ضربناهم بقوةٍ شديدةٍ مجددًا الليلة، وفعلنا ذلك تكريمًا للوطنيين العظماء، الثلاثة على الأرجح"، مضيفًا أن هؤلاء الجنود قضوا لكي "لا يتمكن النظام الإيرانيّ من امتلاك سلاحٍ نووي".
في غضون ذلك، أفادت القيادة المركزية الأميركيّة (سنتكوم) أن "جنديًا أميركيًا قُتلَ في شمالي العراق أثناء أداء مهامه، خلال عملية تفجيرٍ مُسيطرٌ عليها لذخائر غير منفجرة، تعود إلى مُسيّرةٍ إيرانيّةٍ انتحاريةٍ سَقَطَت في وقتٍ سابق". وفي حادثٍ منفصلٍ، ذكرت القيادة عينها أن أفرادًا من الجيش عثروا، أمس الأحد، على رفاتٍ مجهولةِ الهوية في موقعِ الحادث الذي أدى إلى مقتل جنديين وفقدان ثالث في الأردن، وجاري فحصها للتحقق من هويتها. ومع هذا الإعلان يرتفعُ عددُ الجنود الأميركيين الذين قُتلوا، منذ بدء الحرب بين واشنطن وطهران في نهاية شباط/فبراير الماضي، إلى 17 قتيلًا وأكثر من 430 مصابًا. إلى ذلك، كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" أن الأردن أصبح محوريًا في المواجهة المحتدمة، عازيةً السبب إلى نقل وزارة الدفاع الأميركيّة عددٍ من قواتها من البحرين والإمارات وقطر إلى قواعد أردنيّةٍ اعتبرتها أكثر أمنًا نسبيًا، خصوصًا مع تزايد القيود التي فرضتها بعض الدول الحليفة على استخدام أراضيها ومجالها الجوي. وشملت الهجمات الإيرانيّة قاعدة الملك فيصل الجوية ومنشأة أخرى في شرق الأردن، تضمُّ مروحيات بلاك هوك، قبل استهداف قاعدة موفق السلطي الجوية في الأزرق، حيث قُتل الجنود الأميركيون. في حين أعلن الجيش الكويتيّ التصدي لهجماتٍ جديدةٍ بالمسيّرات، بينما أطلقت وزارة الداخلية البحرينيّة صافرات الإنذار، تحذيرًا من تهديداتٍ جوية. بدورها، حثّت السفارة الأميركيّة في المنامة "جميع مواطنيها على التحلي باليقظة واتباع تعليمات السلطات المحليّة ومراجعة أحدث التوجيهات".
ويسعى نظام "الثورة الإسلاميّة" إلى تحميل الدول الخليجيّة كلفةً جسيمةً، على الرغم من أن معظم دوله أعلنت رفضها التورط في هذه الحرب، بل سعت إلى تهدئة الاحتقان. لكن إيران تريد "ضرب" العلاقات بين واشنطن وهذه الدول، وخلق نوعٍ من الفوضى والبلبلة لدفعها نحو الحدّ من وجود القواعد الأميركيّة على أراضيها بشكلٍ عام، وتوريط المنطقة برمّتِهَا بشكلٍ خاص. في الأثناء، تتحيّن تلّ أبيب الفرصةَ "المناسبةَ"، خصوصًا أنها لن تكون بعيدةً عن هذا المشهدِ المُعقد. إذ خرج وزيرُ الدفاع يسرائيل كاتس ليهدّد ويتوعّد بالردِّ بقوةٍ على أيّ هجومٍ إيرانيٍّ، في أعقاب اعتراض القوات الإسرائيليّة والأردنية لصاروخٍ أُطلِقَ باتجاه مدينة العقبة. وقال كاتس إنه "إذا غيّرت الولايات المتحدة سياستها، وهو أمرٌ واردٌ، فنحن على أهبة الاستعداد للتحرك، سواء دفاعيًا أو هجوميًا"، مشددًا على أن التحرك الإسرائيليّ سيكون مستقلًا ومن دون أيّ شروط. بالتزامن، تناول وزير الخارجية الإيرانيّ عباس عراقجي، في مقابلةٍ صحفيّةٍ مطولةٍ، الأحداثَ الأخيرةَ، وأوضح أن "القضية النووية لم تكن، في التقدير الإسرائيليّ، الهدف الوحيد للحرب، بل ربما كانت غطاءً لهدفٍ أوسع". وإذ أكد أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كان يتحدث عن "عملٍ غير مكتملٍ" منذ حرب الـ12 يوماً يتمثلُ في "القضاء على الجمهورية الإسلاميّة"، شدّد على أن الأخير هو الذي أقنع ترامب أن إيران بلغت ذروة ضعفها، وأنه يُمكِنُ حسمُ الحربِ خلال يومين أو ثلاثة. وأقرّ عراقجي بأن الاحتجاجات الشعبيّة، التي هزّت البلاد في شهر كانون الثاني/يناير الماضي، ساهمت في دفع الولايات المتحدة وإسرائيل إلى الاعتقاد بأن الأرضية الاجتماعية للحرب باتت مهيأةً، معتبرًا أن السلطات لم تكن مستعدةً لحجم الاحتجاجات أو سرعة انتشارها.
وتتزامن تصريحات عراقجي مع اتهام بعض المتشدّدين في الداخل له بأنه يقدم تنازلاتٍ إلى واشنطنَ، وبأنه وراء "صفقة" مذكرة التفاهم، حتى إن أصواتًا معارضةً له برزت في الفترة الأخيرة إلى العلن. لكن هذا التضارب والتباين في مقاربة الأمور يَزيدان التشويش ويُصعّبان أي مهمةٍ على الوسطاء، فغياب المرشد يُسهِمُ في انتشارِ الأقاويل، ويضعُ طهرانَ أمام منعطفٍ خطيرٍ، ولو كابرت في تحمّلِ التبعاتِ والتداعيات. هذا الموقف الإيرانيّ نابعٌ من عقيدة النظام، الذي يرفض التخلي عمّا يسميه أوراقه التفاوضيّة، ومن ضمنها لبنان، الذي أُُدخل في "حرب الثأر" بعد "حرب الإسناد"، نتيجة سعي "حزب الله" مجددًا إلى احتكار قرار الحرب والسلم. لكن المعطيات الراهنة تؤكد أن الدولة بجميع أركانها ماضيةٌ في تنفيذ قراراتها، على الرغم من سقف التصريحات اليوميّة العالي، لنوابٍ ووزراء محسوبين على الحزب. فزيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى واشنطن تؤكد هذا النهج، مع تمسّكه في تصريحاته الأخيرة بالمسار التفاوضيّ، باعتباره "خشبةَ خلاصٍ"، على الرغم مما يُحيط به من عقبات. ويأمل عون أن تُسهِمَ اللقاءاتُ في دفع "اتفاقِ الإطار"، المُبرم مع إسرائيل، قدمًا وتحقيق الانسحاب الإسرائيليّ. وتتجه الأنظار إلى واشنطن، غدًا الثلاثاء، حيث سيستضيف ترامب نظيره اللبناني في قمةٍ وُصِفَت بأنها "حاسمةٌ" في تحديد ماهية المرحلة المقبلة.
واستبق عون لقاء البيت الأبيض، باجتماعٍ عقده، أمس الأحد، مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي أشاد بـ"شجاعة الحكومة اللبنانيّة، وبالجهود الحثيثة التي تبذلها لاستعادة سيادة لبنان، ونزع سلاح حزب الله، وتفكيك بنيته التحتيّة الإرهابيّة، والمضي قدمًا نحو السلام". وجدد تأكيد "التزام الولايات المتحدة بدعم التنفيذ الناجح للإطار الثلاثيّ، ومساندة جهود الحكومة الرامية إلى تحقيق التعافي الاقتصادي وإرساء مستقبلٍ أفضلٍ للشعب اللبنانيّ". وتتزامن هذه الزيارة مع ترقّب لبنان بدء الخطوات التنفيذية للاتفاق الإطاري المُوَقَّع مع إسرائيل برعايةٍ أميركيّةٍ، وسطَ تباينٍ واضحٍ بين الروايتين اللبنانيّة والإسرائيليّة بشأن الشروع في تنفيذ مرحلته الأولى. أما ميدانيًا، فتتواصل الاعتداءات الإسرائيليّة على الجنوب مع تسجيل المزيد من عمليات النسف والهدم، وتحديدًا في بلدتي كفرتبنيت وبيت ياحون. في حين شنّ الطيران الحربيّ غارةً استهدفت حيّ الجامعات في كفررمان من دون معلوماتٍ عن وقوعِ أيّ إصابات. في موازاة ذلك، اتصل عون بوليّ العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان، واستعرض معه آخر المستجدات في لبنان والمنطقة، والجهود المبذولة لتعزيز الأمن والاستقرار. ولا يمكن فصل هذه المكالمة عمّا يجري من ترتيباتٍ وتحالفاتٍ، تلعب فيها الرياض دورًا محوريًا ضمن مساعيها للتخفيف من التوترات والحفاظ على السلم الأهلي في لبنان. وتتبلور هذه المساعي أكثر مع تطورات الملف العراقي المتسارعة، إذ حطّ رئيس الحكومة في العاصمة القطرية الدوحة، بعد سلسلةٍ من اللقاءات المهمة التي عقدها خلال زيارته إلى واشنطن. فأجرى مباحثاتٍ مع أمير دولة قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، تناولت العلاقات الثنائيّة وسبل تعزيز التعاون المشترك. فيما أكد الجانبان أهمية اعتماد الحوار والدبلوماسية في معالجة الأزمات، وضرورة تنفيذ "مذكرة التفاهم" الأميركيّة - الإيرانيّة.
من جهتها، نأت إيران بنفسها رسميًا عن تصريحات مستشار المرشد الأعلى علي أكبر ولايتي ضد رئيس الوزراء العراقي، تمهيدًا لزيارةٍ مرتقبةٍ سيجريها الأخير إلى طهران، في إطار جولةٍ سياسيّةٍ سيزور خلالها العاصمة التركيّة أنقرة أيضًا. ويحاول الزيدي أن يلعب دورًا توافقيًا بين أهداف واشنطن ومطامع طهران، مع وعده المتكرّر بحصر السلاح وكفّ يد الفصائل الموالية لإيران. ومن بغداد إلى جارتها سوريا، التي أعلن رئيسُهَا أحمد الشرع، أمس الأحد، عن حزمةٍ جديدةٍ من التعييناتِ في قيادةِ "مكتب الأمن الوطني" وجهاز الاستخبارات العامة. وذكرت وكالةُ الأنباء السورية (سانا) أن الشرع قرّر تكليف وزير الداخلية أنس خطاب بإدارة "مكتب الأمن الوطني" إلى جانب مهامه الحالية، وتعيين حسين السلامة معاونًا لمدير المكتب، وملهم الشنتوت معاونًا لوزير الداخليّة للشؤون الأمنيّة. وشملت القرارات أيضًا تعيين عبد القادر طحان رئيسًا لجهاز الاستخبارات العامة. وتترافق هذه التغييرات مع الأحداث الأمنية التي تشهدها سوريا، بعد التفجيرات الأخيرة التي هزت البلاد، ومع محاولة معالجة الثغرات وضبط الأمن. وتنجح دمشق في تكريس دورها الإقليميّ، الذي ازدادت أهميته مع الحرب الأخيرة على إيران والجدل الحاصل حول مضيق هُرمز.
وفي الأحداث الأخرى، تبدو غزّة أقلّ حضورًا في واجهة الاهتمام الدولي، على الرغم من استمرار الاعتداءات الإسرائيليّة الدموية، التي أسفرت عن سقوط 4 شهداء وإصابة آخرين. في حين شارك مئات الإسرائيليين، بحضور وزراء وأعضاء كنيست من أحزاب اليمين الحاكم، في مسيرةٍ احتجاجيّةٍ شمال القطاع تُطالب بإعادة الاستيطان. ولا يكتفي العدو بتضييق الخناق على الفلسطينيين في غزّة وتحويل حياتهم إلى جحيمٍ، بل يواصلُ تقطيعَ أوصالِ الضفة الغربية مع تكرارِ اعتداءات المستوطنيين، التي فاقت جميع الاعتبارات. وفي تطورٍ جديدٍ، أعلنت السلطات البلجيكية، حظر استيراد المنتجات الآتية من المستوطنات التي تقيمها إسرائيل في الضفة المحتلة، من ضمنها القدس، بهدف الحدِّ من التصعيد الإسرائيليّ، على الرغم من أنها لا تعكس حجم الأزمة ومخاطرها. ومن السياسة إلى الشأن الكرويّ، إذ أحرزت إسبانيا لقب كأس العالم للمرة الثانيةِ في تاريخِهَا بعد عام 2010، متفوقةً على الأرجنتين في مباراةٍ جذبت اهتمام العالم.
جميع هذه التطورات وغيرها تناولتها الصحف العربيّة الصادرة اليوم الاثنين في عناوينها وتحليلاتها. وفي الآتي أبرزها:
رأت صحيفة "الخليج" الإماراتية أن "السياسة الإيرانية تقف على تاريخ من التنصل من الالتزامات الدولية، ويصنفه البعض على أنه أحد نجاحاتها، رغم أن جوهره هو التعويل على إضاعة الوقت، والتأرجح اللحظي في المواقف، والانخراط في التفاوض ثم إنكار نتائجه، وادعاء انقسام المسؤولين إلى أكثر من معسكر لتشتيت الأطراف الأخرى، والجديد هو قبول الوسيط وطعنه في ظهره استمرارًا لابتداع أعراف منكرة في العمل السياسي". وكتبت: "تخطئ إيران إذا اعتقدت أن منطق إشاعة الفوضى يمكن أن ينتصر، وأن التعامل الدائم مع عدوانها على دول الجوار يمكن أن يكون طبيعيًا مع مرور الوقت، أو ضاغطًا على أحد لقبول ما لا ترتضيه موجبات السيادة الوطنية. وتخطئ إيران إذا تصورت أن الرياح ستجري دومًا بما تشتهيه، أو أن ثمن استفزازها تدفعه وحدها الدول العربية في منطقة الخليج أو خارجها، فالمجتمع الإيراني سينفجر في لحظة ما وسيحاسب من ارتهنه طويلًا وصادر حقه في الحياة والتعايش مع جيرانه تأسيسًا على أوهام".
صحيفة "عكاظ" السعودية، من جانبها، أشارت إلى أن "إيران الحرس الثوري العاجزة عن استهداف البوارج الأميركيّة الأقرب إليها من المدن الخليجية، تؤكد لجيرانها استحالة بناء الثقة، وللعالم استحالة خروجها من حالة الثورة إلى حالة الدولة، ومثل هذه الأنظمة تظل دائمًا بحاجة إلى الشعارات الثورية العدوانية، التي تغذّي شرعيتها أمام شعبها وتحفظ وجودها في محيطها". وأضافت: "أثبت التاريخ فشل الأنظمة والدول التي تحكمها الأيديولوجيات المتطرفة، ولن تكون إيران استثناءً، إنها مسألة وقت يستنزف فيها النظام كل موارده ليسقط من الداخل، كما تساقطت أوراق الأيديولوجيا الشيوعية في روسيا ووسط آسيا وأوروبا الشرقية، أو من خلال الحرب كما سقطت أنظمة الشعارات في العراق وسوريا وليبيا".
وتحت عنوان "الأردن ودول الخليج.. مأزق الحرب"، كتبت صحيفة "الغد" الأردنية أن "طهران لا تسعى إلى الانتقام من حلفاء واشنطن أو ضرب مصالح أميركية في هذه الدول، على أهمية هذا الهدف بالنسبة لهم. والضربات الأخيرة في الأردن أكبر دليل على ذلك. إنها في الطريق للتأسيس لنظام أمني جديد تكون لها اليد الطولى فيه. قبل هذه الحرب التي تنظر إليها القيادة الإيرانية بوصفها حربًا وجودية غير مسبوقة، لم تكن جمهورية "تصدير الثورة" تقبل العيش داخل حدودها، فأنتجت الأذرع حيث أمكن لها أن تصل". ولفتت إلى أنه "بعد هذه الحرب الفاصلة، ستعمل بأقصى طاقتها لفرض واقع جديد في المنطقة، يمنحها هيمنة عسكرية وأمنية، مدعومة بسيطرة على مضيق هُرمز، لتضع اقتصادات دول الخليج تحت رحمتها. ستكون هذه أسوأ نتيجة للحرب بالنسبة للدول النفطية، وللاقتصادات العالمية".
وعن لبنان، أوضحت صحيفة "اللواء" اللبنانية أن "زيارة الرئيس عون إلى واشنطن لا تبدو مجرد زيارة بروتوكولية عابرة، ولا يصح اختصارها في إطار العلاقات الثنائية بين لبنان والولايات المتحدة. فاللقاء ينعقد في توقيت بالغ الدقة، في ظل اتفاق إطار رعته واشنطن بين لبنان وإسرائيل، يربط تثبيت وقف الحرب بمسار الانسحاب الإسرائيلي وتعزيز سلطة الدولة اللبنانية. ومن هنا، لا يكمن السؤال الأساسي في ما سيقال أمام الكاميرات في المكتب البيضاوي، بل في ما يمكن لرئيس الجمهورية أن يعود به إلى بيروت، وفي الثمن السياسي الذي قد تطلبه واشنطن مقابل أي مكسب قد يحققه لبنان". ونبّهت إلى أن "الرهان يبدأ من بيروت، ومن قدرة لبنان على مساعدة نفسه قبل أن يطلب من الآخرين مساعدته. فمن الصعب إقناع الخارج بأن يثق بدولة لا تزال تؤجل مواجهة أزماتها. ولهذا، قد يشكل لقاء ترامب فرصة للبنان، لكنه يحمل تحذيرًا أيضًا. وقد تقول واشنطن إن مرحلة المساعدات من دون نتائج انتهت. من هنا، لا يُفترض أن يذهب لبنان إلى واشنطن منتظرًا من ينقذه؛ فالولايات المتحدة ليست جمعية خيرية، وترامب يتعامل مع العلاقات الدولية بمنطق المصالح لا العواطف. وسيطلب مقابلاً واضحاً: ماذا يستطيع لبنان أن يقدّم؟ ماذا ستكسب واشنطن؟ وكيف سيسوّق الرئيس الأميركي أي تفاهم مع لبنان في أميركا على أنه نجاح سياسي؟".
(رصد "عروبة 22")

