في هذه المقالة، نحاول قدر المستطاع تصويب النظر إلى مشكلة الهشاشة العربية، بوصفها هشاشة، ليس على المستوى المؤسّسي فقط، لهذا نحاول تجاوز النظر في تلك المحدّدات، لكي ننفذ إلى المعاني التي تحدّد الفعل، لأنّها معانٍ تشلّ الفعل وتجعله كأنّه واقفٌ على أصابع رجليه، أي حركة غير صحيحة تؤدّي بصاحبها إلى الهاوية. وهذا التصوير هو من باب التقريب للحالة، حالة ضاغطة، كأنّ شعوبًا عديدة في المنطقة: لبنان، سوريا، فلسطين، العراق، اليمن، ليبيا، السودان، الصومال... إلخ، تعيش في وحل الأزمات، وذلك يعود إلى عدم إنتاج أفق للمستقبل.
هنا نستعير من الجاحظ في مؤلفه (الحيوان، ج3) مقولة: "والمعاني مطروحة في الطريق". ولكن السؤال ما هي المعاني المكشوفة والكامنة، في المجال العربي، هل هي معانٍ تؤشّر إلى تجاوز ذلك الطريق الدائري، الذي نسير فيه، والذي يؤدّي إلى نقطة البدء والانطلاق؟ وهل أنّ ذلك الطريق يؤدّي بشكل أو بآخر إلى منفذٍ، من شأنه الخروج من وديان التفكير ومعانيه؟ فبشكلٍ رمزي كأنّها وديان جفّت، وتحوّلت إلى وديان غير ذي زرع. فيصبح السكن سكنًا من أجل الصراع والحرب.
طبقات متراكمة من الخوف والحرب والفقر والاستبداد والانقسام واليأس
كتشبيه رمزي، نعم من حقّنا أن نسأل، ألسنا نعيش في قعر من الوديان، حتّى التلال التي من شأنها أن تعطي إشارات وعلامات، عالية جدًا، بحيث إنّنا لا نرى سوى المعنى ذاته. معنى لا يقوم إلّا على تكرار للأمارات التي تأمر وتوجّه وتحدّد منطق الأشياء والأمور، والتي بطبيعة الحال نتائجها لا شيء سوى الكارثة. فالكارثة تجرّ الكارثة، والضحية تسلّم الضحية. هل يعقل أن تكون الكارثة قدرًا؟!.
عندما يتحوّل المستقبل إلى ظلام
في سورة النّور من القرآن الكريم، الآية الـ40: ﴿أَوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحابٌ ۚ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها ۗ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نّورٍ﴾. هذا التصوير الفنّي للآية يُعطينا مؤشرات كاشفة على ما نعيش، فيمكن قراءة الآية بوصفها صورةً فلسفيةً للإنسان حين يفقد قدرته على رؤية المعنى، لا في حاضره فحسب، بل في مستقبله أيضًا لأنه معنى وادٍ مغلق يشل الفعل. فـ"الظلمات بعضها فوق بعض" ليست ظلْمةً واحدة، وإنّما طبقات متراكمة من الخوف والحرب والفقر والاستبداد والانقسام واليأس، حتى يغدو الإنسان عاجزًا عن رؤية يده، أي عن رؤية قدرته على الفعل.
المأساة الأعمق أن يصبح المستقبل غير مرئي
وفي الواقع العربي، تتراكم هذه الظلمات إلى الحدّ الذي لا تعود فيه الأزمة مجرّد أزمةٍ عابرةٍ، بل تتحوّل إلى واقع يحجب إمكانية الغد، فالحرب تولّد حربًا، والانقسام يُعيد إنتاج الانقسام، واليأس يجعل العجز يبدو قدرًا. ومن هنا يصبح "النّور" أكثر من مجرد الخروج من الظلام في بُعده الرمزي، إنه القدرة على رؤية مستقبل لم يتشكّل بعد، والإيمان بأنّ للحاضر معنى آخر غير تكرار مآسيه. فالمأساة الأعمق ليست أن نعيش في الظلام، وإنّما أن يصبح المستقبل نفسه غير مرئي.
تحطيم معنى ظلام الحاضر
في السؤال: كيف نحطم المعنى "اللّاعقلاني"، وهو لاعقلاني بسبب أنّه ضد مصلحة العقل نفسه في أن يعيش في أفق المستقبل رمزيًا، والذي يغرق الحاضر ويهضمه في معنى صنمي، يشلّ الفعل. كيف تحوّل رفض العقل لمعانٍ مغايرة صوب الأحادية، من اتجاه فكري رمزي، إلى قوة اجتماعية وسياسية تمهّد وتفرز صعود وتكرار كل الأزمات: الخوف والحرب والفقر والاستبداد والانقسام واليأس، حتى يغدو الإنسان عاجزًا عن رؤية يده، أي عن رؤية قدرته على الفعل من أجل المستقبل؟.
أي معنى نريد لأفق الدولة التي تنبثق من المجتمع؟
لماذا تصبح بعض المعاني آمرةً وحاكمة؟ بل ونسأل: ما الوظيفة الاجتماعية والتاريخية التي أدّتها هذه الأفكار والمعاني؟ وكيف ساهمت في تدمير القدرة على فهم الواقع عقلانيًا، وبالتالي في تهيئة المجال للسياسة التي تسير على منوال تلك المعاني لكي تصبح نظامًا؟
وهنا تكمن أهمية فهم المعاني بغية تحطيمها، الفكر ليس بريئًا من التاريخ في تكريس المعنى، فطريقة فهمنا وزاوية النظر التي تحدّد الفهم للمعنى مهمة، لأنها ستحدد الواقع لأن المعنى بشكل مسبق يعطي بشكل مُعد طريقة الفهم، وتحدّد أيضًا موقعنا من الصراع الاجتماعي والسياسي، على احتكار المعنى، والتحدّي هو: أي معنى نريد لأفق الدولة التي تنبثق من المجتمع، هل معنًى للمستقبل؟!.
(خاص عروبة 22)

