كما يوضح "أَجاي أغراوال" و"جوشوا غانس" و"آفي غولدفارب" في كتابهم "القوة والتنبّؤ: الاقتصاد التخريبي للذكاء الاصطناعي"، فإنّ الذكاء الاصطناعي لا يمثّل مجرّد أداة لأتمتة بعض المهام، وإنّما يُعيد تشكيل اقتصاديات التنبّؤ وصنع القرار. ومع انخفاض تكلفة التنبّؤ وارتفاع سرعة اتخاذ القرار، تتغيّر اقتصاديات قطاعات بأكملها، وتتبدّل معها طبيعة العمل ودور المؤسّسات ومصادر الميزة التنافسية. ومن ثم، فإنّ التعامل مع هذه الموجة باعتبارها مجموعة من التطبيقات المُنفصلة قد يغفل جوهر التحوّل؛ المطلوب هو إعادة النظر في الهياكل والمؤسّسات والمهارات بما يتناسب مع اقتصاد أصبحت فيه القدرة على معالجة المعلومات والتنبّؤ واتخاذ القرار أكثر وفرة وأقل كلفة.
تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحًا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث لم تعد مشروعات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والمدن الذكية مجرّد تجارب تقنية محدودة، وإنّما أصبحت جزءًا من استراتيجيّات التنويع الاقتصادي وإعادة بناء القدرة التنافسية.
التكامل العربي لا يعني بالضرورة توحيد السياسات
وتتحرّك دول المنطقة من خلال رؤى وطنية كبرى، من بينها "رؤية السعودية 2030"، و"مئوية الإمارات 2071"، و"رؤية قطر الوطنية 2030"، و"الاستراتيجية المصرية للذكاء الاصطناعي والتحوّل الرقمي". والقاسم المشترك بينها هو التعامل مع التكنولوجيا باعتبارها مكوّنًا من مكوّنات النمو المستقبلي، وليس مجرّد قطاع اقتصادي جديد.
لكنّ حجم الطموح والاستثمار يطرح سؤالًا آخر: هل تستطيع المنطقة بناء منظومة متكاملة تستفيد من هذه الاستثمارات على مستوى إقليمي، أم ستظل كل دولة تعمل داخل حدودها الوطنية؟ فالتكامل العربي في هذا المجال لا يعني بالضرورة توحيد السياسات، وإنّما يمكن أن يبدأ من تنسيق الأطر التنظيمية، وتقارب معايير حوْكمة البيانات والأمن السيبراني، وتبادل الخبرات، وربط أسواق العمل والقدرات البشرية بالمشروعات الرقمية الكبرى. وهنا يمكن لدول مثل لبنان أن تجد مساحةً مهمّةً داخل هذه المنظومة، على الرغم من أزماتها الاقتصادية، من خلال تصدير رأس المال البشري والخدمات الرّقمية والبرمجيّات بدلًا من الاقتصار على تصدير السلع التقليدية.
يمكن توزيع عناصر القوة بين دول المنطقة بدلًا من محاولة إعادة إنتاجها كاملة داخل كل دولة
ويكشف حجم الاستثمارات الجارية عن طبيعة التحوّل. فالتقديرات تشير إلى نموّ قوي في الإنفاق على التكنولوجيا في المنطقة، مدفوعًا بالذكاء الاصطناعي والأتمتة والحوسبة السحابية ومراكز البيانات. كما تضخّ صناديق الثروة السيادية الخليجية استثمارات كبيرة في البنية التحتية الرقمية وفي الشراكات مع شركات التكنولوجيا العالمية. ولا تكمن أهمية هذه الاستثمارات في حجمها المالي فقط، وإنّما في كونها تبني الأصول التي ستحدّد موقع الاقتصادات العربية في سلسلة القيمة الرقمية خلال السنوات المقبلة.
غير أن هذا التوسّع يحمل في الوقت عينه قيودًا لا يمكن تجاهلها. فمراكز البيانات ونماذج الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى كميات متزايدة من الكهرباء والمياه، وهو ما يجعل الطاقة والبنية التحتية المادية جزءًا لا يتجزّأ من اقتصاد التكنولوجيا. ومن هنا، فإنّ السباق نحو الذكاء الاصطناعي ليس سباقًا برمجيًّا فقط؛ إنّه أيضًا سباق على الطاقة، والقدرة الحاسوبية، ورأس المال، والكوادر البشرية. وهذه الحقيقة تمنح التكامل الإقليمي قيمةً مضافةً، إذ يمكن توزيع عناصر القوة بين دول المنطقة بدلًا من محاولة إعادة إنتاجها كاملة داخل كل دولة.
وتظهر التطبيقات العملية لهذا التحوّل بوضوح في مشروعات المدن الذكية والحكومة الرقمية. ففي مصر، تمثّل مشروعات المدن الجديدة والعاصمة الإدارية ومنصة "مصر الرقمية" جزءًا من توجّه أوسع نحو بناء بنية تحتية حكومية أكثر اعتمادًا على البيانات والحوسبة السحابية وإنترنت الأشياء وشبكات الاتصالات الحديثة. في المقابل، وعلى الرغم من الصعوبات التي تواجه البنية التحتية التقليدية في لبنان، لا يزال لديه رصيدٌ مهمٌّ من الشركات الناشئة والمهندسين والمبرمجين وروّاد الأعمال. وربط هذه القدرات بالأسواق المصرية والخليجية يمكن أن يحوّل جزءًا من الأزمة إلى فرصة، من خلال دمج الكفاءات في مشروعات إقليمية وتوسيع صادرات الخدمات الرقمية.
التحدي هو أن يصبح العامل العربي مستخدمًا أكثر كفاءة للتكنولوجيا لا ضحية لها
وهنا تحديدًا تكمن المسألة الأهم: النّجاح في التحوّل الرقمي لا يُقاس بعدد المنصّات والتطبيقات أو بحجم الإنفاق على مراكز البيانات، وإنّما بقدرة هذه البنية على خلق قيمة مضافة ورفع الإنتاجيّة وتحسين جودة الخدمات وتوليد وظائف ودخول جديدة. فإذا لم يتحوّل الاستثمار التكنولوجي إلى إنتاجيّة أعلى وقدرة تنافسية أكبر، فقد يتحوّل الإنفاق الضخم على التكنولوجيا إلى مجرّد تراكم للأصول الرقمية من دون أثر اقتصادي يتناسب مع حجم الاستثمار.
وهذا يعيدنا إلى جوهر فكرة "القوة والتنبّؤ". فالذكاء الاصطناعي لا يغيّر الأدوات فقط، وإنما يغيّر الطريقة التي تُنظم بها المؤسسات وتتخذ بها القرارات ويُعاد بها توزيع العمل بين الإنسان والآلة. ولذلك، فإنّ الاستثمار في التكنولوجيا من دون الاستثمار الموازي في التعليم والتدريب وإعادة تأهيل العاملين سيترك فجوةً متزايدةً بين سرعة التقدّم التقني وقدرة سوق العمل على استيعابه. والتحدّي هنا ليس منع التكنولوجيا، وإنما ضمان أن يصبح العامل العربي مستخدمًا أكثر كفاءة لها، لا ضحية لها.
المطلوب عربيًا تحويل رأس المال والبنية التحتية والموهبة إلى منظومة اقتصادية واحدة أكثر اتصالًا
من هذه الزاوية، تمتلك المنطقة العربية تركيبةً يصعب تكرارها في منطقة واحدة: رأس مال سيادي ضخم في الخليج، وقاعدة بشرية وسوق كبيرة وقدرات تنفيذية في مصر، ورصيد من المهارات الإبداعية وريادة الأعمال في لبنان والأردن. وإذا أمكن وصل هذه المزايا ضمن منظومة إقليمية أكثر تكاملًا في التكنولوجيا والبيانات والمهارات والاستثمار، فقد لا يكون السؤال العربي هو "مَن حرّك قطعة الجبن؟"، بل كيف نُعيد تشكيل المائدة الاقتصادية نفسها.
فالتحوّل الجاري لا يمنح المنطقة رفاهية الانتظار حتّى تتضح ملامح الاقتصاد الجديد. المطلوب هو التحرّك من موقع المستهلك للتكنولوجيا إلى موقع المشارك في إنتاجها وتطوير تطبيقاتها وتصدير خدماتها. وهذا لن يتحقّق بكثرة الاستثمارات وحدها، وإنّما بقدرة الدول العربية على تحويل رأس المال والبنية التحتية والموهبة إلى منظومة اقتصادية واحدة أكثر اتصالًا، بحيث يصبح الذكاء الاصطناعي أداةً لإعادة بناء النموّ، لا مجرّد موجة تكنولوجية جديدة.
(خاص عروبة 22)

