صحافة

أمريكا وإيران على "حافة الهاوية"

بشير عبد الفتاح

المشاركة
أمريكا وإيران على

الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث إلى الصحافيين في قاعدة أندروز بولاية ماريلاند (أ.ف.ب)

معقدة هي العلاقة بين الحرب والمفاوضات. فأحيانًا ما يُستخدم التفاوض غطاءً سياسيًا أو تكتيكيًا لكسب الوقت، وإعادة ترتيب الصفوف، أو امتصاص الضغوط الدولية، بينما تدور رحى العمليات العسكرية في الميدان. وفي أحيان أخرى، تكون الحرب وسيلة ضغط على الطرف الآخر لإجباره على التفاوض، وإبداء مرونة، وتقديم تنازلات، فيما يسمى "التفاوض تحت النار". وفي الحالتين، تتناغم استراتيجية "الحرب من أجل التفاوض" مع الطرح الخالد للجنرال والمفكر الاستراتيجي البروسي الأشهر، كارل فون كلاوزفيتز، بأن "الحرب هي امتداد للسياسة بوسائل أخرى".

تناغمًا مع "استراتيجية البازار" التفاوضية، حرص رئيس البرلمان، ورئيس الوفد الإيراني المفاوض، محمد باقر قاليباف، على إعادة تعريف العملية التفاوضية، من خلال الفصل بين المفاوضات التي سبقت توقيع مذكرة التفاهم في 17 يونيو الماضى، والمحادثات اللاحقة لها. حيث يؤكد انتهاء التفاوض مع الأمريكيين بمجرد توقيع المذكرة، وأن الاتصالات التي تلت ذلك، والمحادثات الفنية التي انطلقت فى أعقبه، إنما تقتصر على متابعة النتائج التي انتهى إليها الطرفان وضمان تنفيذها، عبر تحويل البنود الأربعة عشر إلى ترتيبات عملية قابلة للتنفيذ خلال المهلة المحددة بستين يومًا، مشددًا على أن غايات، كمثل رفع الحصار البحري، وإنهاء الحرب، وتنفيذ التفاهمات المرتبطة بلبنان، تسبق الانتقال إلى الملفات الخلافية الأعقد.

ابتغاء كسر الجمود التفاوضي، المشوب بالتوترات المتصاعدة في مضيق هرمز، عاود ترامب الضغط على إيران، بغية إعادتها إلى المحادثات من موقف تفاوضي أضعف، وفتح المضيق، وإبداء مرونة تفضي إلى اتفاق نهائي وشامل. فإدراكًا منه لاستحالة إتمامه بنجاح، لا يبدو ترامب مولعًا بالحسم العسكري. وبموازاة إبقاء الباب مواربًا أمام التفاوض، يفضل استراتيجية "التفاوض تحت الضغط"؛ حيث استأنف الضربات بقوة، ملوحًا باستهداف جميع القيادات الإيرانية، ومحطات توليد الكهرباء، وجميع الجسور والبنى التحتية واللوجيستية؛ ما لم يَفِئ الإيرانيون إلى طاولة المفاوضات. وشدد على أن طهران لا خيار أمامها سوى إبرام اتفاق شامل مع بلاده. وهكذا، ينوي ترامب التفاوض تحت الضغط عبر مسارات أربعة متوازية، تتمظهر في:

الحصار البحري: ففي الرابع عشر من الشهر الجاري، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) إعادة فرض الحصار البحري على السفن العابرة من وإلى الموانئ والمناطق الساحلية الإيرانية، بمشاركة أكثر من عشرة آلاف جندى، ومدمرتين، ونحو عشرين قطعة بحرية، فضلًا عن عشرات الطائرات المقاتلة. وكانت المرة الأولى التي فرض خلالها الحصار خلال الفترة من 13 أبريل وحتى 18 يونيو، ردًا على إغلاق طهران لمضيق هرمز؛ ما تسبب في خنق 90% من أنشطة التجارة الإيرانية التي تعتمد على الخليج العربي. كما يؤدي إلى مزيد من الانخفاض في قيمة العملة، وارتفاع التضخم، وزيادة البطالة، مع تقويض النشاط الصناعي، خصوصًا مع افتقار إيران إلى القدرة السريعة على إصلاح بنيتها التحتية ومنشآتها الحيوية بعد تعرضها للاستهداف؛ بجريرة العقوبات الدولية التي تحظر استيراد قطع الغيار والتكنولوجيا الحديثة اللازمة لإعادة التأهيل.

تجدد الضربات الأمريكية: استأنفت الولايات المتحدة ضرباتها على ما يسمى "حزام هرمز"، باستخدام ذخائر دقيقة أطلقتها طائرات مقاتلة برية وبحرية، ومسيّرات، وقطع بحرية، في عملية تستهدف جزرًا، ومواقع عسكرية على امتداد الساحل الجنوبي، والدفاعات الساحلية، ومنصات الصواريخ، والقدرات البحرية، ومطارات عسكرية، وأنظمة دفاع جوي، ومخازن المسيّرات، وزوارق، ومنشآت لتخزين الذخيرة، وشبكات اتصالات، ورادارات، ومواقع للمراقبة الساحلية، يستخدمها الحرس الثوري لتتبع واستهداف السفن التجارية العابرة لمضيق هرمز. الأمر الذى يضعف قدرته على تنسيق الهجمات ضد البحارة المدنيين والسفن التجارية العابرة للمضيق.

وعلى مدى أيام متتالية، طالت العملية مدن الصواريخ، وبنى تحتية داخل العمق الإيراني، بقصد قطع خطوط الإمداد؛ حيث أدرجت القيادة المركزية الأمريكية ما وصفتها بـ"البنية التحتية اللوجيستية العسكرية" ضمن قائمة الأهداف. لذا، ركزت الهجمات على "ضربات قابلية الحركة"، عبر استهداف الجسور، والطرق، وخطوط السكك الحديدية، بهدف شل حركة قوات الإسناد ومنع وصول التعزيزات إلى الساحل الغربي، من خلال قطع الإمدادات عن المسيّرات التي تستهدف السفن العابرة للمضيق. بالتزامن، أرسلت واشنطن عشرات طائرات التزود بالوقود إلى إسرائيل، لتضاهي العدد الذى كانت عليه في بداية العمليات، ما يعكس استعدادًا جادًا لتوسيعها. وفي مسعى لإفقاد طهران ورقة هرمز، التي غدت "قنبلة نووية جيوسياسية"، تعهد الجيش الأمريكي بحماية حرية الملاحة في المضيق. ولتقنين تحركه العسكري، أخطر ترامب الكونغرس رسميًا، في العاشر من يوليو، باستئناف الأعمال القتالية ضد إيران يوم السابع من ذات الشهر، ما يفتح نافذة جديدة مدتها 60 يومًا لاستخدام القوة العسكرية، دون حاجة لموافقة الكونغرس.

عقوبات جديدة: فرضت واشنطن حزمة عقوبات جديدة على إيران، تضمنت إصدار ترخيص عام يسمح بإنهاء بعض المعاملات المرتبطة بأشخاص، وكيانات، وسفن مدرجة على قوائم العقوبات، اعتبارًا من 14 يوليو. كذلك، فرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على أهداف متورطة في شبكة دولية تدعم جهود شراء الأسلحة نيابة عن الحرس الثورى، تشمل مواطنين إيرانيين وروسًا، إضافة إلى كيانات مقرها إيران وروسيا ونيجيريا. وتضاف هذه الإجراءات إلى عقوبات فرضتها واشنطن فى مايو الماضى، استهدفت 11 فردًا وكيانًا، بينهم جهات في الصين وهونج كونج، بتهمة مساعدة الحرس الثوري والجيش الإيرانيين على شراء أسلحة.

تقويض النفوذ الإيراني فى العراق: فتوخيًا منه لتقليص اعتماد العراق على مصادر الطاقة الإيرانية، دعم ترامب خطة حكومية عراقية لرفع إنتاج النفط من خمسة إلى سبعة ملايين برميل يوميًا، وتوسيع مشاريع استثمار الغاز المصاحب، علاوة على تعزيز الاستثمارات الأمريكية، وربط العراق بمحيطه العربي، عبر مشاريع خطوط أنابيب جديدة نحو البحر المتوسط، بما يقلل من تأثير مضيق هرمز على صادرات النفط العراقية. وتدرك واشنطن أن مستقبل العلاقات مع بغداد لن يُقاس بحجم الاتفاقيات الاقتصادية وحدها، وإنما بقدرة الحكومة العراقية على معالجة الملف الأكثر حساسية، والمتمثل في الحد من نفوذ الميليشيات المسلحة المدعومة من إيران، وعلى رأسها كتائب حزب الله، وحركة النجباء، وعصائب أهل الحق. وهي فصائل تصنفها الولايات المتحدة منظمات إرهابية، بينما ترتبط سياسيًا وعسكريًا بطهران. وتنظر إدارة ترامب إلى هذا الملف باعتباره معيارًا رئيسًا لنجاح الحكومة العراقية الجديدة.

رغم ما ذُكر آنفًا، تؤكد مصادر متنوعة استمرار الاتصالات بين الأمريكيين والإيرانيين في خضم التصعيد الحالي. فمن جهتها، أبقت طهران نافذة الحل السياسي مفتوحة، إذ تؤكد استعدادها للعودة إلى الالتزام ببنود مذكرة التفاهم، واستئناف المحادثات، إذا توقفت العمليات العسكرية الأمريكية. بدوره، دعا ترامب الإيرانيين إلى استئناف المفاوضات، مؤكدًا استمرار الاتصالات بين واشنطن وطهران تحت النار، سواء عبر وسطاء أو من خلال دبلوماسيين من الجانبين. كما يباشر الوسطاء اتصالاتهم مع مسؤولين أمريكيين وإيرانيين لخفض التصعيد، واستعادة المسار التفاوضي. ويعتقد وسطاء أن الهجمات الإيرانية الأخيرة على السفن التجارية في هرمز افتعلتها أجنحة داخل النظام الإيراني تعارض مذكرة التفاهم وتنشد تقويضها. كذلك، اعتبر ترامب الإفراج عن مواطنة أمريكية كانت محتجزة لدى إيران منذ عام 2024، رغم احتدام المواجهات المسلحة، "بادرة حسن نية".

يلامس النهج الإيراني ــ الأمريكي استراتيجية "حافة الهاوية"؛ حيث يمارس الضغط العسكري الأقصى لإجبار الطرف الآخر على العودة إلى طاولة المفاوضات، وتقديم تنازلات، من دون السماح للتصعيد بالخروج عن السيطرة. لكنها مقامرة تبقى محفوفة بالمخاطر. ذلك أن استمرار العمليات العسكرية، واتساع نطاق الاستهداف المتبادل، يزيدان احتمالات حدوث خطأ في الحسابات، أو تجاوز الخطوط الحمر، ما قد يهوى بالمنطقة إلى غياهب حرب شاملة تطال مختلف ساحات الشرق الأوسط، وتخلف تداعيات استراتيجية واقتصادية عالمية مروعة. فلم يعد التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران مجرد تبادل محسوب للرسائل العسكرية ضمن قواعد اشتباك صارمة، بقدر ما أضحى يتحول تدريجيًا إلى مواجهة مفتوحة، تتسع رقعتها الجيوسياسية وتتعدد ساحاتها.

فبموازاة هجماتها الانتقامية ضد أصول عسكرية أمريكية، وأهداف مدنية حيوية بدول الجوار، هددت إيران بتحويل المواجهات إلى حرب إقليمية، فيما توعد مرشدها المختفي، مجتبى خامنئي، الولايات المتحدة "بتلقينها دروسًا لا تُنسى". الأمر الذي يرفع مستوى المخاطر أمام الدول المستضيفة لتلك القواعد، كما يزيد احتمالات اتساع دائرة الصراع، خصوصًا بعدما أسفرت المواجهات عن وقوع خسائر بشرية، الأمر الذي يثير المخاوف من انزلاق المنطقة إلى أتون حرب شاملة قد تعيد صياغة قواعد الاشتباك الإقليمى، وتربك الاقتصاد العالمي.

وفي مؤشر على إمكانية أفول دور الوسيط المحوري، حذر مسؤولون باكستانيون من تحول بلادهم إلى طرف في الصراع، بدلًا من كونها وسيطًا أو صانع سلام، حال امتداد الحرب إلى المملكة العربية السعودية. فبمجرد معاودة طهران استهداف المملكة، للمرة الأولى منذ أربعة أشهر، جنحت باكستان إلى إعادة تقويم دور الوساطة. وبموجب اتفاق الدفاع المشترك، الذي أبرمته الأخيرة مع الرياض العام الماضي، قد تضطر إسلام آباد إلى الانخراط في الحرب لمؤازرة شريكها السعودي.

(الشروق المصرية)

يتم التصفح الآن