تدور الحركة السياسية في لبنان في حلقة مفرغة، وليس ذلك حالة آنية مرتبطة بالراهن فقط، بل هو نسق من الحكم الضائع الهوية والفاقد الرؤية والضعيف الأدوات. ولأن أزمة لبنان الراهنة هي أكبر من قدرات طبقته السياسية مجتمعة على اجتراح الحلول لها، سيبقى مصير البلد مجهولاً حتى إشعار بعيد. منذ العام 1975 يغرق لبنان في فوضى أمنية وسياسية عصية على الحل رغم فترة من "السلام" بين بدء تنفيذ اتفاق الطائف عام 1990 واغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، وحرب تموز/أيلول عام 2006، رغم التوترات السياسية والخلل في تنفيذ اتفاق الطائف والهيمنة السورية على كل شيء في البلد.
الأزمة تشتد اليوم ويبدو الأفق مسدوداً والصورة سوداء، لا خطوة إلى الأمام في ظل انقسام حاد وافتراق في الرؤية. أفرزت الحرب بين "حزب الله" وإسرائيل واقعاً جديداً على الأرض، لكن الواقع السياسي لم يتحرك بالقدر نفسه، وها هو البلد راكع بين معسكرين: معسكر لا يريد حروباً بعد الآن ويفضل حل المشكلة مع إسرائيل بالمفاوضات مستعيناً بالغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة في ذلك، ومعسكر مصرّ على امتلاك السلاح واستخدامه لمواجهة اسرائيل وتحرير ما احتلته من أرض في حرب إسناد إيران التي أعلنها "حزب الله" ثأراً لمقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، بعدما كانت حرب إسناد غزة أوصلت الإسرائيلي إلى احتلال خمس نقاط حدودية داخل الأراضي اللبنانية.
لا تقدم إسرائيل شيئاً لفريق رئيسي الجمهورية جوزف عون والحكومة نواف سلام ومن معهما من أحزاب وقوى سياسية مسيحية وسنية بمعظمها وشخصيات من مختلف الطوائف وقسم كبير من الرأي العام يؤيد فصل لبنان عن أزمات المنطقة. هؤلاء ذهبوا إلى حد طلب السلام وهم مستعدون لإبرام اتفاق سلام مع إسرائيل. تحتال إسرائيل على اتفاق المناطق التجريبية، فلا تنسحب من أي قرية محتلة، بل تتوسع باتجاه قرى غير محتلة أو سبق أن أخلتها كحال زوطر الغربية أو المنصوري، وتطوق بالنار تجمعات سكانية على خطوط التماس التي لم تجعل لها حدوداً ثابتة. ينزع نتنياهو الحجة من مؤيدي المفاوضات معه ويضعف موقفهم في مواجهة "حزب الله" ومعه رئيس البرلمان نبيه بري اللذين يرفضان المفاوضات المباشرة والمناطق التجريبية بصيغتها الراهنة، وإن كان بري يتمايز بموقفه من بسط سلطة الدولة والتمسك بالجيش اللبناني، وهو تمايز شكلي لا يصل إلى حد الافتراق والإقرار بتسليم سلاح الحزب إلى الدولة.
الفريقان مأزومان، والأمر خارج قدرتهما، فريق المفاوضات وفريق السلاح. لم يستطع رئيس الجمهورية الحصول على أي تنازل من الجانب الإسرائيلي بالمفاوضات التي تتأجل جلساتها المباشرة، ولا يحرك "حزب الله" ساكناً في مواجهة تمدد الاعتداءات الإسرائيلية وتصاعدها والتي يبدو أن احتلال مرتفعات علي الطاهر الاستراتيجية هدف لا تراجع عنه. ليس لدى الطرفين ما يقدمانه غير التمسك بالصبر وانتظار الفرج.
لا يملك رئيسا الجمهورية والحكومة وفريقهما إلّا خطاب المفاوضات والتمسك بسلطة الدولة وحصر السلاح في يدها يكررونه يومياً، وفي المقابل لا يملك الثنائي الشيعي إلّا خطاب التمسك بالسلاح ورفض المفاوضات حتى الانسحاب الإسرائيلي من القرى التي احتلتها. وفي الواقع لا إسرائيل ستنسحب ولا السلاح سيسلم. لا شيء يوحي بذلك، لا من جهة بنيامين نتنياهو الذي يستعد لخوض انتخابات تشريعية مصيرية يجعل من الحرب نقطة قوته فيها، فيما أميركا التي تناور ويقتصر دعمها للبنان على منع نتنياهو من مهاجمة بيروت وتوسيع نطاق الحرب، ولا من جهة الحزب الذي يعض بأسنانه على السلاح رابطاً مصيره، بل مصير الطائفة الشيعية ببقائه وبقرار إيران التي تفاوض عنه مع الولايات المتحدة.
يلعب اللبنانيون في الوقت الضائع وهم يدركون أن الأمر ليس بيدهم الآن، وأن الستاتيكو سيبقى قائماً إلى أن يقرر أحد الأطراف الفاعلين تغيير قواعد الاشتباك، وعندها لا يعلم إلا الله ما سيحل بالبلد.
(النهار اللبنانية)

