يُنظرُ إلى اللقاءِ الذي عُقدَ بين الرئيسِ الأميركيّ دونالد ترامب ونظيرهِ اللبنانيّ جوزاف عون في البيتِ الأبيض على أنّه محطّةٌ مفصلية. إذ يأتي في لحظةٍ حسّاسةٍ تتقاطعُ فيها ملفاتٌ عدّة، في ظلِّ استمرارِ الضرباتِ العسكريةِ على إيران، والخروقاتِ الإسرائيليّةِ لاتفاقِ وقفِ إطلاقِ النارِ في لبنانَ، وبدء تنفيذِ الخطوة الأولى من "اتفاقِ الإطار"، المتعلّقة بالـ"المناطق التجريبيةِ"، التي دخلت حيّزَ التنفيذِ، أمسِ الثلاثاء، بالتزامنِ مع الزيارةِ. لكنّ التعويلَ على نتائجِ هذه الزيارةِ يبقَى رهنًا بمدى قدرة واشنطنَ على لجمِ مخططاتِ تلّ أبيب والضغطِ عليها، سعيًا إلى دفعهَا للالتزامِ بتعهّداتِهَا والحدِّ من التصعيدِ الميداني. فإسرائيلُ تُراهنُ على فشلِ الاتفاقِ وانهيارِهِ نتيجةَ التعقيداتِ الميدانيّةِ، إلى جانبِ رفضِهَا الانسحاب ممّا تسمّيهِ "المنطقة الأمنية". ومع ذلك، وأيًّا تكنْ التداعياتُ المستقبليّةُ، فإنّ لقاءَ ترامب – عون منَحَ الحكومةَ جرعةَ دعمٍ سياسيٍّ، وأعادَ تسليطَ الضوءِ على الدورِ الأميركي في لبنان، ومدى قدرةِ واشنطنَ على خلطِ الأوراق.
فالرئيس اللبناني ذهب إلى واشنطن وفي جعبته مجموعة من المطالب الرئيسيّة ناقشها مع الجانب الأميركيّ، وفي مُقَدّمها الانسحاب الإسرائيليّ الكامل باعتباره "مدخلًا أساسيًا لترسيخ الاستقرار وتمكين الدولة من بسط سيادتها الكاملة بقواها حصرًا، والمضي قدمًا في تنفيذ إطار العمل الثلاثي المشترك"، وفق ما جاء في البيان الصادر عن رئاسة الجمهورية. وأكد البيان أن تداعيات الحرب وخسائرها الاقتصادية، إلى جانب دعم الجيش وتوسيع التعاون الثنائي في مختلف المجالات وتشجيع الاستثمارات الأميركيّة في لبنان ومساندة مسار التعافي الاقتصاديّ، كانت على طاولة المباحثات خلال "الخلوة" التي عقدها الرئيسان، واستمرت نحو ساعة. كما أثار عون أهمية إعادة تشغيل الرحلات الجوية المباشرة بين لبنان والولايات المتحدة، ما لاقى ترحيبًا من ترامب، فاتخذ قرارًا فوريًا بتوجيه إدارته للسماح لجميع شركات الطيران بتسيير رحلاتٍ مباشرةٍ. وهي خطوةٌ يمكن اعتبارها دفعًا رئيسيًا لمسار العلاقات، خصوصًا بعد إيقافها في العام 1985 عقب خطف طائرةٍ تابعةٍ لشركة "تي.دبليو.إيه" كانت متجهةً من أثينا إلى روما، وإجبارها على الهبوط في بيروت. بينما كان اللقاءُ المفتوحُ مع الإعلاميين "وديًا" وحمل الكثير من النقاط الإيجابيّة، التي يمكن أن تعزّز دور الشرعيّة اللبنانيّة. إذ أكد ترامب أن بلاده "ستساعد لبنان واللبنانيين على البقاء في وطنهم"، مشددًا على أن الولايات المتحدة ستعمل على حلِّ عددٍ من المشكلات، وستضمن معاملة هذا البلد "الذي عانى كثيرًا" بالاحترام الذي يستحقه. وعن طرحه تدخل دمشق في الشأن اللبنانيّ، قال: "نحن نعتبر أن الرئيس عون يبلي بلاءً حسنًا في مواجهة الحزب. ودخول سوريا قد يكون أمرًا فعالًا". لكنه أبدى استعداده للتحدث مع "حزبِ الله"، إذا طلب منه عون، في خطوةٍ بدت لافتةً وربما غير مسبوقة من الإدارات الأميركيّة.
من جانبه، وصف عون "اتفاق الإطار" مع تلّ أبيب بـ"الإنجاز التاريخيّ"، مشيرًا إلى أن هدفه النهائيّ يتمثل في إنهاء حالة العداء بين لبنان وإسرائيل إلى الأبد. وإذ شدّد على أن الوقت قد حان لينعم لبنان بالاستقرار والأمن، أوضح أن رئيس مجلس النواب نبيه بري يريد أيضًا رؤية نهايةٍ للحرب، ويدعم المسار الذي تَتَّبِعُهُ الدولة اللبنانيّة. وهي رسالةٌ فُهِمَت على أنها محاولةٌ لـ"الغمز" من قناة بري الذي يُعارض الاتفاق من جهةٍ، ويصطفُّ خلف "حزب الله"، بينما يرفض التصعيد الشامل بسبب تبعاته الخطرة. ومن هنا، يمكن القول إن هذا اللقاء، الذي يُعّدُ الأولُ لرئيسٍ لبنانيٍ منذ العام 2009، خرج بثلاثِ رسائل أساسيّة، هي: تأكيد دعم الجيش وتعزيز دوره، تَعَهُدُ واشنطن بمساعدة لبنان في ظلِّ المحنة التي يمرّ بها، والأهم التشديد على أهمية ودور الاتفاق الإطاري الثلاثي، بوصفه مدخلًا رئيسيّا لتحقيق الانسحاب الإسرائيليّ وحصر السلاح بيد الدولة، على الرغم من عدم تقديمه جدولًا زمنيًا للتنفيذ، فيما استخدم ترامب عبارة "إعادة انتشار". وترافقت هذه الأحداث السياسيّة مع أخرى ميدانيّة، مع بدء تنفيذ المرحلة الأولى من المناطق التجريبية في جنوب لبنان. إذ أعلن الجيش اللبنانيّ عن دخول قواته وآلياته إلى قرى فرون وصريفا وزوطر الغربيّة، داعيًا السكان إلى عدم العودة قبل استقرار الأوضاع الأمنيّة. لكن هذا التطبيق لم يصمدْ طويلًا، إذ وقع أولُ احتكاكٍ بعد إطلاق قوات الاحتلال النار على الوحدات المنتشرة في بلدة زوطر الغربيّة. في حين نقلت "هيئة البث الإسرائيليّة" عن جيش الاحتلال إشارته إلى أن ما أُطلِقَ كان "عياراتٍ تحذيريةً تجاه جنودٍ لبنانيينَ عبروا الخط المُتفق عليه".
وتصف إسرائيل "المناطق التجريبية" بأنها امتحانٌ لسيادة الجيش اللبنانيّ، باعتباره "السلطة الرسميّة الوحيدة المخوّلة بحمل السلاح". ويضع هذا الأمر الدولة، بجميع أركانها، أمام اختبارٍ صعبٍ، لأن تلّ أبيب ستتحيّن أيّ فرصةٍ للانقضاض على الاتفاق و"نفض يدها" منه انطلاقًا من تجارب سابقة. وعلى الرغم من هذه التطورات، واصل جيش العدو خروقاته، فنَفَذَ تفجيراتٍ طالت بلدات الخيام وكفرتبنيت وزوطر وحداثا، إلى جانب عمليات تمشيطٍ وتجريفٍ في بنت جبيل والناقورة. أما التفجير الأضخم، فهو الذي تُلَوِّحُ به إسرائيل، وينتظرُ موافقة المستوى السياسيّ، ويقضي بتفجير أنفاق "قلعة الشقيف"، ما يهدّد بزلزالٍ بقوةٍ تفوق الـ3.4 درجات على مقياس ريختر. ويهدف التصعيد الإسرائيليّ المُكثّف إلى فرض واقعٍ قائمٍ يُكرّسُ "الخط الأصفر" كمنطقةٍ أمنيّةٍ عازلةٍ خاضعةٍ للسيطرة الإسرائيليّة، وإحراج الجيش اللبنانيّ ميدانيًا عبر زرع الألغام والأجسام المشبوهة. وهذا ما حدث في بلدة المنصوري قبل أيامٍ عدة، وأسفر عن وقوع شهداء وجرحى، ما يعوق انتشار الجيش وفق الخطط التي وُضِعت. إلى ذلك، تبقى "العبرة في التنفيذ"، وفي ما ستحمله الأيام المقبلة من معطياتٍ، إما تفتح البابَ أمام ترتيباتٍ مختلفةٍ، وإما ستقود إلى "الدوران في حلقةٍ مفرغةٍ" من دون تحقيق أيّ نتائج عمليّة. كما أن الانظار ستبقى متجهة إلى موقف "حزب الله"، غداة تصريحات ترامب وعون الأخيرة، لا سيّما أن الزيارة عينها تعمّقُ الانقسامَ الداخليَّ، بين من يؤيّد نهج الدولة ومن يضع خطواتها في إطار التماهي مع المخططات الأميركيّة الإسرائيليّة وتقديم "تنازلاتٍ مجانيّةٍ" لهما.
في الأثناء، ينعكسُ استمرار الضربات العسكرية على إيران على المشهد برمته، مع إعلان القيادة المركزية الأميركيّة (سنتكوم) أن الجيش أنهى أحدث هجماته على إيران، لليلة الحادية عشرة على التوالي. واستهدف القصف مراكز عسكريةً ولوجستيةً وحظائر طائراتٍ ومرافقَ تخزينٍ للطائرات المُسيّرة، فيما صعّد ترامب تهديداته، معلنًا أن القوات الأميركيّة ستقصف "قريبًا جدًا" موقع "جبل الفأس" المُحَصَّن قربَ منشأة "نطنز" لتخصيب اليورانيوم، التي تعرضت لأضرارٍ بالغةٍ في ضرباتٍ سابقة. وقال إن الولايات المتحدة "لم تُنهِ عَمَلَهَا على الإطلاق"، مضيفًا: "إذا غادرنا الآن، فستحتاجُ إيران إلى ما بين 15 و20 عامًا لإعادة البناء". ولفت إلى أن طهران تسعى خلف الكواليس إلى إنهاء الحرب وعقد اجتماع مع واشنطن، لكنه شدّد على أن إدارته "غير مهتمة" بذلك إلى أن تصبح إيران مستعدةً لمفاوضاتٍ وصفها بالـ"جدية". وهذا السقف العالي من التصريحات والتراشق الكلاميّ المتواصل، يُعَقِّدُ جهودَ الوسطاءِ، خصوصًا بعد عودة باكستان إلى دائرة الضوء، في محاولةٍ لإنقاذِ مذكرةِ التفاهمِ التي نعاها الطرفان في وقتٍ سابق. وفي هذا الإطار، بدأ وزير الداخلية الإيرانيّ إسكندر مؤمني، أمس الثلاثاء، سلسلةَ اجتماعاتٍ في إسلام آباد. فالتقى قائد الجيش الباكستانيّ المشير عاصم منير، قبل أن يجتمع مع رئيس الوزراء شهباز شريف، الذي أعرب عن قلقه العميق من التصعيد، مجددًا دعوته الأطراف إلى ضبط النفس وتجنب الخطوات التي تُفاقِمُ زعزعة الاستقرار. وكشف موقع "أكسيوس" عن مقترحٍ جديد تقدّمَ به الوسطاء، ويتضمنُ هدنةً تستمر عشرة أيامٍ، وترتيباتٍ بشأنِ فتحِ مضيقِ هُرمزَ، لمنعِ الوصولِ إلى صراعٍ إقليميّ.
ويؤكد هذا الكشف أن طرفي الحرب يريدان استمرار المفاوضات وعدم انهيارها في "الضربة الأخيرة"، لأن كليهما يواجه وضعًا حرجًا. فواشنطن تنظر بقلقٍ إلى الكلفة البشرية والاقتصادية، بعد الإعلان عن مقتل عددٍ من جنودها في الأردن والعراق، وسط دعواتٍ إلى الانتقام. فيما تواجهُ إيرانُ ظروفًا داخليةً معقدةً وتبايناتٍ في تحديدِ الخطوات المستقبليّة، في ظلّ استمرار الجدل بشأن مرشدها "المختفي" مجتبى خامنئي. وأيًا تكن النوايا، لا بدّ أن تُتَرجَمَ على أرض الواقع، وتحديدًا في محاولة إيجاد حلٍّ لمضيق هُرمز، الذي تحوّلَ إلى "عقدةٍ جيوسياسيّةٍ" تُوَظِّفُهَا طهرانُ ضمنَ أوراق القوة التي تمتكلها. ولم تؤدِّ الضرباتُ المتتاليةُ على بنىً تحتيّةٍ حيويةٍ إلى إنهاء الهجمات على حركة الشحن، فتعرّضت ناقلةٌ، في وقتٍ مبكرٍ أمسِ الثلاثاء، لهجومٍ قبالة الساحل العُماني، ما أجبر طاقمها على مغادرتها. في حين أعلن "الحرس الثوري" مسؤوليته عن مهاجمة سفن في الممر المائيّ. وبات المضيقُ في واجهة الأحداث، خصوصًا أن طهران تؤكدُ مرارًا أنها لن تتنازل عما تسميه "حقوقها" وليست في وارد "التفريط" فيها، إنما تعدُّ العدةَ لوضع المضيقِ تحت سيطرتها، مع تحديد مسارات عبورٍ وفرض رسومٍ مقابل "المرور الآمن". وبغض النظر عن الخطوات التي يريد النظام الإيرانيّ اتخاذها، فإن "الموجات الجديدة" من الهجوم تضيّق الخناق وترسي معادلاتٍ واضحةَ الأهداف. لكنها لا تسهمُ في تغييرِ مواقف الأطراف المتنازعة، وفق ما كشفه تقييمٌ نشرت نتائجه صحيفة "واشنطن بوست". إذ خَلُصَ محلّلون في وكالات التجسس الأميركيّة إلى أن طهران وواشنطن "عالقتان، في الوقت الراهن، في حالةٍ من الجمود بين السلام والحرب"، وفي وضعٍ وصفه المسؤولون بأنه "مُقلقٌ نظرًا لتزايد حدّة التوتر في الأعمال العدائيّة المتبادلة بين البلدين".
وكشف وزير الحرب الأميركيّ بيت هيغسيث أن تكلفة العمليات العسكرية المتجدّدة بلغت حتى الآن 37.5 مليار دولار، بزيادةٍ تُقَارِبُ ثمانية ملياراتِ دولارٍ مقارنةً بآخر تقديرٍ معلنٍ. وأوضح أن الولايات المتحدة تفرض حصارًا بحريًا "فعّالًا" على السفن والموانئ الإيرانيّة، لكنه أشار إلى أن إيران لا تفرض رسومَ عبورٍ في مضيقِ هُرمزَ، بل "تُطلِقُ النارَ مباشرةً على السفن". بالتوازي، تدفع دول الجوار كلفةً مرتفعةً مع استمرار الضربات الإيرانيّة على الكويت والبحرين والأردن، ما يُعَمِّقُ الأزمةَ ويُفَاقِمُ حجم الخسائر. وأعلنت وزارة الكهرباء والماء الكويتيّة تعرض محطات عدة للقوى الكهربائيّة وتقطير المياه، مساء أمس الثلاثاء، لهجماتٍ إيرانيّةٍ لليوم الرابع على التوالي، أسفرت عن اندلاعِ حرائقَ في عددٍ من مرافقها. وقال الحرس الثوري إنه نفّذَ هجماتٍ بالصواريخ والطائرات المسيّرة، استهدفت مواقعَ عسكريةً أميركيّةً في الكويت. كما تحدّث عن استهداف منظومتيّ دفاعٍ جويٍ ومحطةِ رادارٍ في موقعين أميركيين في البحرين. وفي بيانٍ منفصلٍ، ادّعى "الحرس الثوري" استهداف بنيةٍ تحتيّةٍ تابعةٍ لشركة "أمازون" في المنامة، فيما لم يصدر تأكيدٌ رسميٌّ من السلطات البحرينيّة. أما في الأردن، فقال الجيش إنه اعترض خمس طائراتٍ مسيّرةً انطلقت من إيرانَ، أثناء ليل الاثنين وصباح الثلاثاء. وفي أربيل، أفادت مصادر أمنية عن سقوط 3 طائراتٍ مسيّرة محمّلة بمتفجراتٍ قرب القنصلية الأميركيّة. وفي الإطار عينه، استدعت وزارة الخارجية الكويتيّة السفير الإيراني لديها محمد توتونجي، وسلّمته مذكرة احتجاجٍ على استهداف بلاده ناقلةَ "كيفان" خلالَ عبورها مضيق هُرمزَ، ما أسفرَ عن إصابةِ عددٍ من أفراد طاقمها.
من جانبها، أعلنت المملكة العربية السعودية وقوفها الكامل مع الكويت والبحرين والأردن، في ما تتخذه من إجراءاتٍ تجاه الاعتداءاتِ الإيرانيّةِ الغاشمةِ والمخالفةِ للقانون الدولي ومبادئ حسن الجوار. وأكدت أهمية الوقف الفوري لجميع أشكال التصعيد العسكري، بما يحفظ استقرار دول المنطقة وشعوبها. كما أدانت المملكة بأشدّ العبارات الادعاءات الباطلة لميليشيا الحوثيّ واتهاماتها الكاذبة، التي لا تستند إلى أيّ أساسٍ، وانخراطها في صراع المنطقة لدعم أجندتها وأهدافها المشؤومة، ما يسهمُ في تعميقِ معاناة الشعب اليمني، وتهديد الأمن الإقليميّ واستقراره، مشدّدةً على استمرارها في دعم اليمن وحكومته الشرعيّة. ودخل الحوثيون على خط المواجهة، معلنين عن اتخاذِ خطواتٍ تصعيديةٍ ضدّ السعودية، في موقفٍ فُهم بأنه بإيعازٍ إيرانيٍّ لزيادة الضغوط وحالة الاستنزاف عبر التهديد بورقة مضيق باب المندب. وأشارت وسائل إعلام تدور في فلك من يسمون أنفسهم بـ"أنصار الله"، أمس الثلاثاء، إلى أن قواتها أجبرت 6 سفنٍ على العودة في البحر الأحمر، بعد تهديدهم باستهداف السفن التي لا تلتزم بحظر الملاحة البحرية المُعلَن على السعودية. وفي السياقِ عينه، ذكرت وكالة "رويترز" أن ناقلتي نفط تحملان شحناتٍ سعوديةً متجهةً إلى آسيا غيّرتا مسارهما في البحر الأحمر، عقب تهديدات الحوثيين، واتجهتا نحو قناة السويس.
وتعقيبًا على هذه التهديدات الخطرة، شدّد وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني على أن جماعة الحوثي تحاول تصوير خطوةِ فرضِ حظرٍ على الملاحة البحرية بوصفها "قرارًا مستقلًا فرضته تطوراتٌ محليّةٌ أو ردُّ فعلٍ على ما تزعمه من حصارٍ، لكنّ الوقائع تؤكد أن هذه الخطوة تُنَفَذُ بقرارٍ إيرانيٍّ اتُّخذَ في إطار مسارٍ تصعيديٍ أوسع". ويبقى الخوف من خروج الأمور عن السيطرة والاتجاه نحو "المواجهة الشاملة"، لأن الأحداث الراهنة لا تشي بأن طهران في واردِ التنازلِ بسهولةٍ، كما يَصْعُبُ على إدارة ترامب، التي رفعت سقف أهدافها، أن تُقْدِمَ على خطواتٍ تعزّز الموقفَ الإيرانيّ، خصوصًا أن إسرائيل لم تدخل معترك الميدان بعد، بل تلوّح بين حينٍ وآخر بأنها لن تبقى "مكتوفة الأيدي". واستكمل الجيش الإسرائيليّ، في الأيام الأخيرة، سلسلةً من التحركات العملياتية، التي تهدف إلى تحسين الجاهزية لاحتمال توسّع القتال إلى مواجهةٍ مباشرةٍ مع إيران. في موازاةِ ذلكَ، تتزايدُ المخاطرُ المحدقةُ بقطاعِ غزّة مع عودة استهداف المدنيين العُزل، وسط تباينِ القراءات الخاصة بأهداف التصعيد، بين من يربطها باستراتيجيّة إسرائيليةّ لإعادة تشكيل واقع القطاع، ومن يعتبرها تمهيدًا لإفشال أيّ تسويةٍ سياسيةٍ أو فرض ترتيباتٍ جديدةٍ على الأرض. إذ إن الصور الجديدة التي التُقِطَت بواسطةِ الأقمارِ الاصطناعيةِ توضحُ بناء الجيش الإسرائيليّ جدارًا ترابيًا ضخمًا يفصل أكثر من 50 في المئة من قطاع غزّة، ما يزيدُ الأوضاعَ صعوبة. واستشهد 12 فلسطينيًا، أمس الثلاثاء، 6 منهم من عائلةٍ واحدةٍ، وبينهم 4 أطفالٍ، مع تزايد وتيرةِ الغاراتِ الجويةِ على الرغم من مرورِ أشهرٍ على اتفاق وقف النار.
المشهد الغزاوي يغيب عن الاهتمام الدولي مع انشغال العالم بتبعات الحرب المستمرة بين واشنطن وطهران. وفي الآتي، أهم ما جاء في الصحف الصادرة اليوم الأربعاء:
رأت صحيفة "عكاظ" السعودية أن "قدرة الحوثي على استمرار نظامه الانقلابي لن تصمد أمام العواصف التي هبت على المنطقة، وسيكون أول ضحايا ما بعد الحرب مع إيران. فإيران التي خسرت في سورية ولبنان، وضعفت في العراق، ستخسر أيضًا في اليمن، حيث يئن الشعب اليمني في مناطق سيطرة الحوثي تحت وطأة الفقر والجوع والحاجة، فيما لا يطعمه الحوثي غير الشعارات الجوفاء التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا ترتبط بمصالح اليمن واليمنيين!". وأوضحت أن الهجمات التي يتوعّد بها ضد المملكة "لو تمت، ستمنح مبررات لضرب الحوثي بكل قسوة، كما فعلت إسرائيل وأميركا من قبل، فالعالم لن يحتمل انتقال عبث السياسة الإيرانية وأدواتها إلى مضيق باب المندب، وسيجد الحوثي نفسه أشد عزلة وأكثر عرضة للضرب".
من جهتها، أشارت صحيفة "الدستور" الأردنية إلى أن "الحرب الأميركيّة على إيران بدأت تأخذ منحى آخر، وتحولًا استراتيجيًا مختلفًا بعد أن تحولت من السلاح النووي ومنع طهران من امتلاكه والحصول عليه إلى السيطرة على مضيق هرمز وكبح أسعار النفط والغاز التي تتجه نحو الاستمرار في الصعود. إلا أن الموازين قد تنقلب وتتحول الحرب إلى نطاق أوسع في حال استخدمت طهران ورقة باب المندب وتمكنت من إقناع الحوثيين بمنع عبور السفن وسلاسل الامداد". واعتبرت أن "الحرب ما زالت في مراحلها ألاولى من دون مؤشرات على قرب نهايتها بغض النظر عن أي تفاهمات أو مذكرات تفاهم، لأن الولايات المتحدة الأمريكية تريد إنهاء هذا الملف نهائيًا بعدم السماح لإيران باستمرار السيطرة أو فرض أي قيود ووضع محددات وشروط تشير إلى سيطرتها من بعيد أو قريب".
وعن العراق، كتبت صحيفة "الصباح" العراقية: "تعتبر زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى الولايات المتحدة مؤخرًا واحدة من أكثر الزيارات إثارة للاهتمام المحلي والإقليمي وحتى الدولي، فتوقيت الزيارة والملفات، التي نوقشت بين الجانبين العراقي والأميركي تؤكد ذلك، بل وتكشف عن أن بغداد وواشنطن لديهما رغبة حقيقية في بناء علاقة استراتيجية مبنية على أسس ودعائم رصينة، خاصة وأن المشتركات كثيرة بين البلدين في الجانب الاقتصادي". وشددت على أن "العراق اليوم بحاجة إلى وقفة حقيقية من القوى السياسية سواء المشارِكة في الحكومة، ومجلس النواب، أو تلك التي لا تشارك وحتى التي قد تصف نفسها بالمعارضة، مع رئيس الوزراء وتكون داعمة له في محاربة الفساد داخليًا، وفي سعيه إلى بناء علاقات وشراكات اقتصادية مع مختلف الدول الإقليمية وغير الإقليمية، فالمناكفات السياسية والتجاذبات بين القوى السياسية، جعلت بوصلة العراق تائهة لأكثر من 23 عامًا".
وتحت عنوان "هل يُخرج لقاء ترامب وعون لبنان من دوامة الحروب"، لفتت صحيفة "اللواء" اللبنانية إلى أن "مواقف الدعم الأميركي الظاهري للبنان، والذي يتكرر في كل مناسبة على لسان الرئيس الأميركي، تنتظر تنفيذها ميدانيًا على أرض الواقع، بمواصلة خطى تنفيذ مضمون اتفاق الإطار الذي تم التوقيع عليه بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، وتسريع وتيرة انسحاب قوات الاحتلال من الاراضي اللبنانية". وأضافت: "يؤدي تسريع الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، إلى إعطاء دفع قوي للدولة اللبنانية، لاستكمال تنفيذ قرارات حصر السلاح بيد الدولة وحدها وبسط سلطتها على كل الأراضي اللبنانية، ويُسقط كل محاولات حزب الله للتذرع بوجود الاحتلال الإسرائيلي للاحتفاظ بسلاحه خارج سلطة الدولة، بحجة مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان".


