القاهرة وبكين.. شراكة بلا تحالف

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وزوجته خلال استقبال الرئيس الصيني شي جين بينغ وزوجته عند وصولهما إلى مطار القاهرة الدولي (أ.ب)

غادر الرئيس الصيني شي جين بينج القاهرة بعد يوم ونصف اليوم من وصوله، وهي زيارته الأولى لمصر منذ عشر سنوات. وحين انطفأت أضواء الكاميرات بقي ما هو أهم من الصور: بيان مشترك من 21 نقطة، و5 اتفاقيات ومذكرة تفاهم، وأكثر من 20 وثيقة أخرى. في هذه الأوراق، لا فى المراسم، نعرف ماذا أراد كل طرف. وقبل الأوراق بسنوات، كانت العلاقة قد دخلت بيوتنا من باب لا ينتبه إليه الكثيرون. ففي 2013م وُقّع بروتوكول إعلامي بين اتحاد الإذاعة والتليفزيون المصري وإذاعة الصين الدولية، وعُرض على الشاشة المصرية مسلسل صيني اسمه "حياة سعيدة"، مدبلج إلى العربية، وكان أول مسلسل صيني يُعرض مدبلجًا على شاشة عربية.

لم يتحدث عنه كثيرون، لكنه كان يقول شيئًا: بكين تعرف أن الطريق إلى الناس أطول من الطريق إلى القصور، وأنها تسلكه بهدوء. أما الطريق إلى القصور فله قواعده. وأول قاعدة أن كلمة "الشراكة الاستراتيجية الشاملة" لا تعني تحالفًا. الصين لا توقّع اتفاقيات دفاع مشترك مع أحد، باستثناء واحدة قديمة مع كوريا الشمالية. الفرق بسيط: الحليف مُلزم بأن يدافع عنك إذا هوجمت، والشريك مُلزم فقط بأن يجلس معك ويتشاور. من يفهم هذا الفرق يعرف ماذا يطلب من العلاقة، وماذا لا ينتظر منها. وهذا ليس عيبًا في الشراكة؛ هذه طبيعتها.

ولنبدأ بالملف الذى يهم المصريين أكثر من غيره: النيل. في البيان المشترك أعلنت الصين أنها تدرك أن النيل هو شريان الحياة الرئيسي لمصر، وأن من حق مصر أن تحمي أمنها المائي والغذائي، ودعا البلدان معًا دول حوض النيل إلى احترام القانون الدولي، "بما في ذلك عدم التسبب في إحداث ضرر". وقالها الرئيس بصوته أمام ضيفه في قصر الاتحادية. وهذه خطوة تستحق أن نقدّرها بحجمها الحقيقي. العبارة الأخيرة ليست كلامًا عامًا، بل قاعدة معروفة في قانون الأنهار المشتركة.. لا يحق لدولة أعلى النهر أن تتصرف بما يضر من هم أسفله. والأهم أنها وردت في وثيقة موقّعة من الطرفين المصري والصيني، لا في تصريح مصري منفرد، وصدرت عن دولة تملك مقعدًا دائمًا في مجلس الأمن. ولنقلها بأمانة أيضًا، هذه لغة قوية، لا آلية تنفيذ. فالصين نفسها دولة تنبع منها أنهار كبرى وتبني عليها سدودًا ضخمة، ولن تتبنى مبدأً يقيّد يدها فى بلدها. لذلك، ما تحقق هو غطاء سياسي أفضل مما كان، لا آلية إجبار تلقائية على دولة المنبع.

والمنطق نفسه ينطبق على مضيق هرمز. وصل الرئيس الصيني في اليوم ذاته الذي أعلنت فيه واشنطن ضربات جديدة على أهداف إيرانية، بعد إصابة ناقلتين محمّلتين بنفط سعودي. والصين أكبر مشترٍ للنفط الخليجي، وأكثر من يتضرر من إغلاق الممر، ومع ذلك اكتفت بالدعوة إلى التهدئة. هكذا تعمل بكين في كل مكان: حضور اقتصادي كبير، وتحفّظ أمني كامل. أما الملف الذي استحوذ على اهتمام أكبر من حجمه، فكان ملف "مبادلة الديون". والأرقام تضعه في مكانه الصحيح. مصر مدينة للصين بنحو 7.1 مليار دولار، تمثل حوالى 5% من إجمالي دين خارجي يقارب 164 مليارًا. وفكرة المبادلة قديمة، بدأت عام 2023، ووُقّعت مرحلتها الأولى العام الماضي بنحو 1.2 مليار على دفعات. تحويل جزء من الدين إلى استثمارات يخفف الضغط الشهري، لكنه لا يغيّر حجم المديونية.

الأهم كان باقي الاتفاقيات: مذكرة لتعزيز التعاون في سلاسل الصناعة والإمداد، ومذكرة بين المنطقة الاقتصادية لقناة السويس ووزارة التجارة الصينية، واتفاقية للتعاون الاقتصادي والفني. وأعلن الرئيس المصري تدشين المرحلة الثالثة من توسعات المنطقة الصناعية المصرية الصينية. هذا هو الملف الذي يستحق أن نتابعه، لأنه الفارق بين أن نكون سوقًا تُباع فيها البضائع الصينية، وأن نكون مصنعًا يُنتج ويصدّر. والفارق لا يُقاس بعدد المصانع، بل بما إذا كانت المعرفة تنتقل إلى أيدينا أم ترحل مع الخبراء. فالمصنع الذي يأتي بخطوطه وخبرائه ثم يرحل بهما لا يترك خلفه صناعة.

ومن المصانع إلى ما هو أثمن اليوم، وهي البيانات. قبل الزيارة بأيام كشفت وكالة بلومبرج أن شركة هواوي تقدّمت بعرض لبناء مراكز بيانات ذكاء اصطناعي للحكومة المصرية، يشمل نحو ألفي شريحة إلكترونية متقدمة، وتنفيذًا خلال عام. وأن الخارجية الأمريكية تحركت سريعًا لتجميع عرض منافس من إنفيديا ومايكروسوفت وغيرهما. وقد تكون هذه أول مرة تتنافس فيها واشنطن وبكين وجهًا لوجه على مشروع تكنولوجي حكومي واحد.

والمعنى بسيط: من يبنى لك عقلك الحاسوبي يمسك بشيء منك لسنوات. وفي ضوء ذلك تُقرأ جملة مرّت عليها الأعين في مقال الرئيس المصري صباح الزيارة.. حق مصر والصين في مشاركة التكنولوجيا الحديثة "على نحو عادل". ليست عبارة مجاملة بل موقفًا تفاوضيًا. واللافت أن قائمة ما وُقّع بين البلدين خلت من أي اتفاق لمركز بيانات؛ أقربها مذكرة عامة في تكنولوجيا المعلومات. أي أن أهم ملف خرج من الزيارة بلا إعلان. وبقاؤه مفتوحًا ليس خسارة بالضرورة، فالعرضان الصيني والأمريكي ما زالا على الطاولة.

يبقى ملف السلاح الأكثر ضجيجًا والأقل وضوحًا. حيث جرت مناورة "نسور الحضارة 2026" منذ 22 أغسطس بمشاركة مقاتلات J-16 صينية، ونُشرت صورة لطائرة تزويد صينية تملأ خزان مقاتلة رافال مصرية. وانتشرت روايات عن نتائج اشتباك جوي مصدرها منصات تواصل ومدوّنات، لا جهة رسمية في البلدين. ومن المفيد أن نتذكر أن الـJ-16 غير معروضة للتصدير أصلًا، فالمناورة ليست عرض بيع.

إذن ماذا أراد كل طرف؟ الصين أرادت قاعدة صناعية مستقرة عند ملتقى ثلاث قارات، وصوتًا يسندها في ملفاتها، وموطئ قدم مبكرًا في تكنولوجيا الغد. ومصر أرادت ما كتبه رئيسها بوضوح: صناعة تُوطَّن، وتكنولوجيا تُنقل، وغطاءً في ملف النيل، وقبل ذلك كله أن تظل صاحبة خيارات لا صاحبة معسكر. هذا ليس تغييرًا في الاتجاه بل إدارة لموقع. والحكم عليه لا يصدر بعد أسبوع، بل بعد عام: هل تحوّل شيء من هذا كله إلى مصنع، أو شريحة أو التزام مكتوب؟

(الشروق المصرية)

يتم التصفح الآن