ما النتائج الأساسية التي سوف تترتب على الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والحرب الإيرانية على بلدان الخليج والأردن؟ بغض النظر عمن سيحقق الانتصار السياسي أو العسكري في هذه الحرب، فإن الذي سيدفع الثمن الأساسي لهذه الحرب هي الدول العربية أولًا، ثم إيران، وبدرجة أقل كثيرًا إسرائيل، وبعدها ربما القواعد الأمريكية في المنطقة. الملاحظة المهمة هي أن عودة الولايات المتحدة للحرب في 8 يوليو الجاري، رغم توقيع مذكرة التفاهم مع إيران في 18 يونيو الماضي، والشروع في مفاوضات لمدة 60 يومًا سعيًا لاتفاق نهائي تكشف عن الملاحظات التالية:
أولًا: إدراك واشنطن أن غالبية بنود مذكرة التفاهم صبت في مصلحة إيران سياسيًا، رغم أن الأخيرة تعرضت لضربات عسكرية مؤلمة، حدت كثيرًا من قدراتها العسكرية، وكذلك دمرت جوانب كثيرة في بنيتها التحتية. الملاحظة الثانية أن إيران تمكنت من تحويل مضيق هرمز إلى ورقة تفاوضية مهمة، لدرجة أن الملف الأساسي الداعي لهذه الحرب، وهو البرنامج النووي الإيراني، قد تراجع كثيرًا لمصلحة المضيق. الملاحظة الثالثة أدركت واشنطن أن سيطرة إيران على هرمز وتحويله إلى مضيق إيراني وليس دوليًا سيعني هزيمة استراتيجية كبرى لأمريكا وإسرائيل وللخليج، ولذلك فإن هدف استئناف الحرب الأساسي هو انتزاع ورقة المضيق من يد إيران بأي صورة من الصور.
لكن الملاحظة الأساسية أن الحرب في مرحلتها الثانية تركز في الأساس على ضرب البنية التحتية. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان يهدد طوال الوقت بمحو إيران من الوجود، وتدمير بنيتها التحتية واستهداف منشآت الطاقة خصوصًا محطات الكهرباء وآبار النفط والغاز والجسور. كان البعض يعتقد أنه يهدد، لكنه الآن في المرحلة الثانية ينفذ بالفعل. وقد رأينا استهداف الجسور ومحطات للكهرباء وأخرى لتحلية المياه في جنوب إيران، اتبعه استهداف إيران لمحطات مماثلة في الخليج خصوصًا الكويت. ثم رأينا تهديدات امريكية بتوسيع هذا الاستهداف أعقبه تهديد طهران باستهداف البنية التحتية الخليجية خصوصًا الموانىء وحقول النفط والجسور.
ماذا يعنى التوسع في هذا الاستهداف المتبادل للبنية التحتية؟ ببساطة يعني أن إيران ودول الخليج هي التي ستدفع الثمن الأكبر بل ربما الثمن بأكمله.. لماذا؟ الإجابة هي أن الولايات المتحدة لا تدفع ثمنًا ماديًا كبيرًا حتى الآن، وخسائرها المعلنة قليلة جدًا بشريًا، وحتى خسائرها العسكرية تقول بوضوح إنها سوف تستردها من بلدان الخليج. وبالتالي ستجد دول الخليج وإيران نفسها في النهاية قد دمرت بعضها البعض، ما يذكرنا بالفخ الذي وقع فيه العراق وإيران في حرب الثماني سنوات 1980-1988.
إسرائيل أيضًا لم تدفع ثمنًا فادحًا في البنية التحتية، على الأقل طبقًا لما هو متاح من معلومات، ربما هناك خسائر تمت التغطية عليها، لكنها لم تؤثر حتى الآن على موازين القوى. وإلى أن تظهر النتائج السياسية النهائية لهذه الحرب، فإن السيناريو الذي نراه أمامنا هو رغبة أمريكية إسرائيلية في استنزاف وتدمير الطرفين أي إيران والخليج، وبالتالي تراهن واشنطن على أن تحقيق هذا السيناريو سيعني عقود إعمار ضخمة للشركات الأمريكية واتفاقات عسكرية واسعة النطاق، وربما مزيد من العلاقات العربية مع إسرائيل.
وربما من أجل كل ما سبق يمكن أن فهم سر الإصرار الأمريكي الإسرائيلي على شن الحرب، ثم الإصرار على دفع دول الخليج دفعًا للمشاركة فيها، بحيث تصبح حرب استنزاف طويلة، يتم فيها تدمير المنطقة بأكملها لتصبح إسرائيل، هي الطرف الأقوى الوحيد بلا منازع، ووقتها يمكن لها أن تعيد رسم خريطة المنطقة بالفعل، بل وتحقيق فكرة "إسرائيل الكبرى" التي تحلم بها خصوصًا أنها احتلت قطاع غزة وتهود الضفة بصورة متزايدة واحتلت جنوب لبنان ومساحات واسعة من الأراضي السورية بعد سقوط نظام بشار الأسد.
ما يؤخر تحقيق الهدف الأمريكي الإسرائيلي هو أن بعض دول الخليج خصوصًا السعودية وقطر منتبهة لهذه الخطة، ويرفضون التورط المباشر في الحرب، ليس فقط استجابة للضغوط الأمريكية، لكن أيضًا لاستفزازات الجناح المتطرف في النظام الإيراني خصوصًا الحرس الثوري. علينا ألا نعتقد أن الحرب انتهت لمصلحة إيران، فالسيناريو الدائر الآن إذا استمر سيعني أننا بصدد الخيار شمشون أي تدمير المنطقة بأكملها.
ثم إن هناك عاملًا آخر مهمًا بجانب تمكين إسرائيل واستنزاف ثروات المنطقة، وهو الرغبة الأمريكية المحمومة في السيطرة على غالبية مصادر الطاقة في العالم حتى تستمر في القيادة الدولية، وتؤخر صعود الصين قدر المستطاع، وترهق أوروبا والنمور الآسيوية، وهذا موضوع آخر.
(الشروق المصرية)

