بصمات

"التَقدُّم القهْقري" في العالم العربي!

لا يُعدّ استخدام مصطلح "التقدّم القهقري" بهرجًا اصطلاحيًّا أو ترفًا لفظيًّا، بقدر ما هو توصيفٌ واقعيٌّ للحالة العربيّة الراهنة. ولئن كانت بداية استخدام ذلك المصطلح في سياق تقييم وعي المؤرّخين بالزمن ومسألة التقدّم الحضاري منتصف القرن التاسع عشر، فإنّ قرائن عديدة مرتبطة بالوضع العربي الرّاهن تُشرّع استعماله، وتضفي عليه معقوليّة.

تتعدّد مستويات بروز "التقدّم القهقري" سواء في مستوى الخطاب، أو مختلف المجالات التي لها صلة بالواقع العربي. فعلى صعيد الخطاب ظهر بوضوح تحوّل دراماتيكي من الشعارات الرنّانة في الوحدة العربية، ورمي إسرائيل في البحر، وإلحاق هزيمة نكراء بالإمبرياليّة الأميركية، إلى اللهث وراء المحافظة على استمرارية "الدولة القُطريّة"، التي لطالما هُوجمت وصُنّفت بأنّها صنيعة اتفاقية "سايكس – بيكو" والدوائر الاستعماريّة. ولم يكن ذلك التحوّل الخطابي ثمرة مراجعات أو واقعية عقلانيّة، وإنّما لافتضاح خواء تلك الشعارات بحكم عدم استنادها إلى رؤية استراتيجيّة ومرتكزات عَمَليّة، بل إنّ ممارسات الأنظمة المؤثّرة في المنطقة كانت معاكسةً تمامًا لمضامين تلك الشعارات.

انعدام البُعد الاستراتيجي والاستشرافي للأمن القومي

غابت في هذا السياق الأسئلة الكبرى التي تعكس يقظةً فكريةً مثل: لماذا حدث هذا التحوّل الرهيب من الحلم بالوحدة إلى الاستماتة في المحافظة على النظام السياسي للدولة القُطريّة، على الرغم من العجز المشين حتّى في توفير الحاجيّات الأساسيّة من ماء وكهرباء وغذاء التي كانت إلى وقت قريب تمثّل الحدّ الأدنى من سقف انتظار الشعوب؟ وكذلك التساؤل عن أسباب ضمور الرؤية الاستراتيجيّة وبقية الأسئلة المتفرّعة عنها في ما يخصّ نوعيّة الآليّات المزمع انتهاجها، والمراحل التي يتعيّن قطعها لتجاوز حالة التخبّط التي تعيشها المنطقة منذ حرب الخليج الثانية ولا سيّما أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001؟

أضحى العالم العربي ساحةً مستباحةً لمختلف القوى الدوليّة والإقليميّة، والكوارث الطبيعيّة والبشريّة من حروب وحرائق وغيرها. ففي المشرق العربي، تتعرّض عديد دوله إلى قصفٍ إيرانيٍ باعتبارها الحلقة الأضعف في التصوّر الإيراني، مقارنةً ببقية حلفاء الولايات المتّحدة في المنطقة مثل تركيا وأذربيجان. بينما صار المغرب العربي مرتعًا للمهاجرين غير النظاميين الزّاحفين من جنوب الصحراء، ما جعل دوله عرضةً لمخاطر وأعباء جديدة، فضلًا عن قضية الصحراء الكبرى التي تذكّر بعض المواقف الرسميّة منها بحروب البسوس وداحس والغبراء من ناحية ضيق الأفق السياسي وانعدام البعد الاستراتيجي والاستشرافي لمسألة الأمن القومي.

تعليم من دون مهارات وتديّن من دون ثقافة ونمو من دون تنمية وانتخابات من دون مواطنة أو ديموقراطية

لئن يوهم بعض مظاهر التحديث الخارجي، مثل صفقات الأسلحة الضخمة، والانتشار الواسع للتكنولوجيّات الاتّصاليّة الحديثة من هواتف ذكيّة وحواسيب محمولة وبرامج الذكاء الاصطناعي، بوجود مؤشّرات تطوّر في مستوى طرق التفكير ونمط العيش، فإنّ التمعّن الدقيق يكشف تحوّل تلك المخترعات في عديد الأحيان إلى آليّة من آليّات التدمير الذّاتي، وتعميم الجهل المركّب أو الجهل الجديد لغياب التفكير النّقدي الذي يوجّه استخدام تلك التكنولوجيّات المتطوّرة وجهاتها الصحيحة بدل استعمالها للاستعراض، وتكديس الخردة، ونشر الإشاعات وترذيل القيم والرموز والتلاعب بالعقول والتضليل. لذا لا عجب أن تتشكّل في هذا الصدد مجموعةٌ من المفارقات منها: تعليم من دون مهارات، وتديّن من دون ثقافة، ونمو من دون تنمية، وانتخابات من دون مواطنة حقيقيّة أو ديموقراطية فعليّة.

بقدر ما لا يمكن إنكار بعض النجاحات المتحقّقة عربيًّا في مضمار كسب معركة التقدّم، فإنّ تلك النجاحات ظلّت جزئيةً مرتهنةً للاستقرار السياسي، ومرتبطةً بنبوغ بعض الأفراد العرب لا سيما المهاجرين في الغرب ممّن اكتسبوا حقوق المواطنة والجنسيّة في بلدان إقامتهم. ذلك أنّ التقدّم الحقيقي لا يمكن تحقّقه بالترضيات المناسباتية أو التسويات الهشّة القائمة على المزاج السياسي المتقلّب، وإنّما يستدعي مباشرة عملية تصحيحٍ ذاتيٍ تتوّج بتكريس ثقافة الاعتراف بالأخطاء وتصحيحها، والاعتراف بالتوازنات القائمة والعمل وفقها حسب الإمكانيات المتاحة، والاعتراف بحقّ المغايرة والاختلاف والتعدّدية.

الوحدة الوطنيّة قاطرة أساسية في مشروع التكتل أو العمل العربي المشترك

يتطلّب التقدّم القيام بتضحيات جِسام من الجميع من دون استثناء لا سيّما السلطة والنّخبة بصفتهما المؤتمنتين على تحقيق التحوّلات الكبرى. يتعيّن على السلطة مُصارحة الناس بالحقائق مهما كانت صادمةً بدل تنويمهم بالشعارات الفضفاضة التي عفا عليها الزمن، في حين يقتضي دور النّخبة الريادي التسامي عن ولاءاتها الفئوية والشخصية الضيّقة ليتسنّى لها التكتّل في كتلة تاريخية وازنة. فلعلّ ذلك ما يُكسب الوحدة الوطنيّة متانةً، ويجعلها قاطرةً أساسيةً في مشروع التكتّل أو العمل العربي المشترك. فمن هذه النقطة يمكن التأثير في تصوّرات المُجتمع وتمثّلاته، إذ إنّ التقدّم الحضاري كلٌّ لا يتجزّأ.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن