اختار زيادة فترةً غنيّةً مثّلت العصر الذهبي لتبلْور الأفكار والاتجاهات الأدبية والسياسية والثقافية والاجتماعية والعلمية، في ظواهر لم تتكرّر لبنانيًا وعربيًا ودوليًا. ذلك أنه منذ الستينيّات لم يظهر جيل جديد من المثقف العربي الشامل الذي يستطيع أن يؤثر في المجال العام من خلال قيمٍ تنويريةٍ جسّدت التاريخ الفكري والجمالي للقرن العشرين، عندما كان المرئي المباشر هو عمق المعنى في جوهره الإبداعي والإنساني.
زيادة يستذكر هذا العالم، في ما يعتبره أيقونة العقود بذاكرة عميقة تربط بين المنزل والمكتبة والكنيسة والجامع والمدرسة والجامعة والمدينة، وبين الشعر والثقافة والسياسة والثورة، وعلى مسرح من الأحداث، التي يُعيد تحريكها في تغطية حميميّة وسردية غنائية متدفّقة، بلغة سلسة، وليونة عفوية من دون تقديم ولا وعظ، وبأسلوب أدبي تحليلي وتوثيقي، بلا صناعة أو تصنّع، في رسم صورة مجتمع مفتوح من الأخبار والقصص السياسية والأخلاقية التاريخية المُلْهمة أكثر من هذه الأيام.
يبني معمارية تاريخية في مادة توثيقية
كأنّ العالم يئس من الخطاب الذي يسود العالم اليوم بأسره، ومن مخاطر الانغلاق العائد إلى عودة العنصريّات وأشكال النبذ والكراهية والحروب والتخلّي عن أفكار المجتمع المفتوح التي سادت القرن العشرين، والتي لا تخدم أفكار السّوق والخطب التي تحملها حاضرًا، ولا تعطي الكلمة للنّخب الفكرية في سوء تفاهم عربي وعالمي غير محتمل. فيعود زيادة إلى عقد الستينيّات بكل عنفوانه. أي عالم الانفتاح الذي لا يمكن أن تختزله ليبيرالية تغذّي في طبيعتها القصوى الحروب والعنف والعزلة.
كتاب زيادة يأتي تأكيدًا على قيم وجماليّات تلك الفترة، وشكّل مفاجأة حلوة من حيث يجب إعادة انطلاق مثقّفي ومفكري العالم العربي، وحيث يمكن التفكير بالخروج من الواقع المفخّخ بالتفجير، وما يجري من تباعدٍ في أوضاع لا تنتج زمنًا جديدًا. فتسود الاستكانة والرتابة بنوازع جمود داخلية وليس في الخارج.
لا يتجاوز المؤلف في كتابه الصحافي والروائي إلى ما هو تحليلي وتأويلي، بل يترك القارئ يلتقط عمق الظواهر، ويقف كما المؤرخ خارج التفاصيل الكثيرة التي تحتدم بالصور والقصص والأفكار. فيعرض للتواريخ بأسلوب سردي. يبني معماريةً تاريخيةً في مادة توثيقية، شهادة حقيقية غير مشكوك فيها، وينتقل فيها من الخاص إلى العام، وبالعكس، ومن الواقع إلى الحاضر الضمني المشكوك بكل نوازعه واتجاهاته. وهي الخبرة بعد سنوات من الانصهار في الأحداث والتحليل والديبلوماسية والتركيب. ويمكن تصور فضاءات تلك العلاقات التي كانت تسود تلك المرحلة على خط طرابلس – دمشق – القاهرة – بيروت، ورسائلها التي ترسم بدايات العودة إلى مدخلات هذا العقد الذي يبدأ في الكتاب في عام 1961 بانتصار الاشتراكية على الرأسمالية مع الرجل الفضائي ( يوري غاغارين)، مقابل فيديريكو فيلّليني مخرج فيلم "الحياة اللذيذة"، عن سنوات الخفة، جون كينيدي رئيسًا للولايات المتحدة الأميركية وزوجته الجميلة جاكلين، نيكيتا خروتشوف زعيم الاتحاد السوفياتي، أزمة الصواريخ في كوبا، جمال عبد الناصر وخطبه ضد الاستعمار، في مقابل مسألة الحبيب بورقيبة الذي مشى عكس تيار الناصرية، العالم الثالث الذي كان يتقدّم في مصر والهند ويوغوسلافيا والقرن الأفريقي، حركة القوميين العرب، الثورة الثقافية في الصين، إصلاحات الكنيسة الكاثوليكية، وإحباطات انفصال سوريا عن مصر...

تقدّمت بيروت والقاهرة في مساحة الحرية والحداثة في مرحلةٍ شكّلت مختبرًا للحداثة والتجريب، تريد التخلّص من الماضي وتقاليده. ولم تقف الأمور عند الأسوأ من الأحداث. كلّ ذلك يبدأ مع زيادة على هامش بداية رحلة خاصة من طرابلس وبساتين الليمون والسوق القديمة، ومن فيضان نهر أبو علي إلى سوق السياسة، ومعارضة الرئيس كميل شمعون، ومصالحة طرابلس مع الدولة عبر الانتقال مع الرئيس فؤاد شهاب إلى نوع من الديموقراطية المدنية السياسية والعمران، وأشياء من القرن العشرين شكّلت وجهتين متناقضتين في لبنان، وولادة شخصية لبنانية عامة، وتجذّر الانتماء الطائفي لدى أبناء الطبقة المتوسطة، كأحد العوامل التي قادت إلى الحرب الأهلية.
إنّها كتابة تعكس كثيرًا من الجوانب الثقافية والسياسية والأدبية والدينية والاتجاهات التي سادت في لبنان والعالم العربي، والظواهر التي اعتبرت "جديدة"، والتي احتلّت المساحة النقدية والفكرية والاجتماعية في تلك المرحلة. فتجد سمة الستينيّات والتغيير في كل التفاصيل وعلى جميع المستويات في استرهافات قراءات كتّاب تلك المرحلة، عبد الرحمن البدوي (سيرة الحلاج)، محمد الماغوط، زكريا تامر، وفلاسفة مثل كانط وكامو وسارتر، ومفكرين ولغويين وروائيين وشعراء، جرجي زيدان وفرح أنطون وسليمان البستاني ورشيد رضا ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وإيليا أبو ماضي وآخرين، في قصة حب مطلقة للقاهرة، مثل طرابلس وبيروت.
رسم عالمه الخاص في فضاء مديني مفتوح ومتسع
هكذا يسفر شغف زيادة وأبناء جيله في التجديد من ناحية بنائية جسّدها المثقّف العضوي نموذجًا، صادق جلال العظم مع قلة آخرين، ومقاربة التراث التاريخي والعمراني العربي، وما يدلّ على هذه التبادليّة الخصبة، وذلك الانفتاح على القديم والمعاصر بكتابة مبتكرة وبمراجعة حيّة.
ممتعة فصول كتاب خالد زيادة، بأسلوبه السهل، الممتنع، بلا مقدّمات، بلا خطابة، حين تحاول استعادة أحلام تلك المرحلة الكبيرة، وتقف على إشاراتها الكثيرة في كتابة من القلب، عاد فيها المؤلف إلى مدينته الجميلة طرابلس مرورًا بحمص ودمشق وبيروت والقاهرة، وبذلك التطلّع إلى الوافد من أوروبا مورد الأفكار الحديثة العربية في مرحلة حاضنة للاتجاهات التي انخرط فيها كثيرون. ورسم زيادة فيها عالمه الخاص في فضاء مديني مفتوح ومتسع، يُظهر بوضوح نزاعات تلك المرحلة التجريبية والإبداعية كجزء من التحوّلات السياسية والفكرية والاجتماعية في عقدها العالمي.
(خاص "عروبة 22")

