الكتاب سيرة ذاتية للمؤرّخ، يطغى عليها الهمّ الأكاديمي والعلْمي. ولهذا فإنّه يستهلّ كتابه ببحث مُسهب حول نشأة الجنس الأدبي المعروف بالتراجم، الذي شهد طفرةً أواخر القرن التاسع عشر، ويقول: "شكّلت التراجم جنسًا أدبيًا هجينًا يقع على خط التّماس بين ضرورتيْن هما: نقل تفاصيل الواقع المعيش بإخضاع السرد لشروط الكتابة التاريخية، والحاجة إلى التحيّل قصد تشكيل الحلقات الضائعة ضمن مسار حياة الشخصية".
والواقع أنّ التقديم الذي يتضمّن التساؤلات المنهجية حول كتابة السيرة الذّاتية أو سيرة الآخر، هو بحث قائم بحدّ ذاته لما يتضمّنه من آراء وتجارب ونماذج. خصوصًا أنّ هذا النوع من التأريخ للذّات عاد ليحتل مكانته الأكاديمية منذ سبعينيّات القرن الماضي، مُشيرًا إلى أن مهنة المؤرّخ قد تعرّضت للتهميش مع بروز الأنثروبولوجيا مع كلود ليفي ستروس، وعلم الاجتماع مع إميل دوركهايم، والفلسفة مع ميشال فوكو ولويس ألتوسير، والنقد الأدبي مع رولان بارت وجاك دريدا، ما دفع المؤرّخين إلى تجديد الكتابة التاريخية مع جورج دوبي وجاك لوغوف وغيرهم.
يضعنا أمام قضايا إشكالية تتعلّق بكتابة التاريخ في مرحلة ما بعد الاستعمار
أمّا ما يتعلّق بسيرته الشخصية، فإنّه يتحدث عن طفولته في مدينته القيروان الشهيرة تاريخيًا والتي تملك رمزية خاصة، وقد تأثّر بطبيعة الحال بنشأته في هذه المدينة التي أسهمت في تكوينه وفي توجّهه الأكاديمي. وكان قد تلقّى تعليمه قبل الجامعي في مدارسها، مع الإشارة إلى سمات تلك المرحلة التي طغى عليها أساتذة فرنسيّون يدرّسون مواد الفرنسية والفيزياء والرياضيات والتاريخ والجغرافيا... إلّا أنّ ذلك لا يحجب تنوّع الحياة في القيروان، فإلى الحياة العائلية وأجواء المناسبات التي ترتفع فيها أصوات المقرئين والمنشدين، ثمّة الاحتفالات والأعياد الوطنية التي تقام في الحي العصري، ما يعكس تنوّعًا في الحياة، إن لم نقل التناقض والصراع بين الحداثة والتقاليد.
وحول نشأته يذكر شغفه بالمطالعة والسينما، وتحوّله من المسار العلمي إلى المسار الأدبي. وهو الأمر الذي سيحدّد مستقبله، الذي ارتسم في ماضيه الشخصي. وإذا كان قد انجذب إلى معجم لويس ماسينيون للمصطلحات الصّوفية، فإنّ حلقات التصوّف كانت دخلت وجدانه طفلًا ومراهقًا.
وخلال دراسته الجامعية، بعد انتسابه إلى قسم التاريخ الذي افتتح عام 1959-1960، وكان في القسم مدرّسون فرنسيّون إضافةً إلى التونسيين، سيلمس مسألة تدخّل السلطة في البحث الأكاديمي، وقد أراد أستاذه محمد الهادي الشريف أن يدرّس تاريخ الحركة الوطنية، وتاريخ تونس خلال مرحلة ما قبل الاستعمار، وقد لقي تشجيعًا من الأساتذة الفرنسيين. بينما لم ترغب السلطة الرسمية بذلك، وتعاملت معه بشكل فاتر وقد واجهته صعوبات مثل الوصول إلى الأرشيف، يقول: "وقد اتسمت التوجّهات المعلنة للفاعلين السياسيين بالتعصّب للخطاب الرسمي، مع إسرافٍ في ربط ماضي البلاد ومستقبلها، بما حملته توجّهات الرئيس، باعتباره الزعيم الأوحد. وهنا يقع التناقض بين المؤرّخ الذي يحلم بتونس مختلفة وبين الرئيس الذي يندّد بتصرفات مثقّفي دولة الاستقلال".
وحين أراد لطفي عيسى أن يختار دراسة تربط بين النشاط الصوفي الاجتماعي، نصحه أستاذه بأنّ أرشيفات الدولة تتحوّط على ما يكفي من الوثائق المهمّة التي بإمكانها أن تساعف أي باحث جدّي في صياغة العروض المعرفيّة المتميّزة حول علاقة الدولة بالمجتمع، أو حول طبيعة الأنشطة الاقتصادية والفكرية.
يلفت انتباهنا إلى رقابة السلطة على البحث التاريخي إذا لم يتوافق مع سياساتها
يضعنا كتاب الأستاذ المتميّز لطفي عيسى أمام قضايا إشكاليّة تتعلّق بكتابة التاريخ في مرحلة ما بعد الاستعمار، الأمر الذي يدخل في مهنة المؤرّخ، إلّا أنّ المشكلة التي أثارها، مُتعلّقة برقابة الدولة الوطنية على الأبحاث التي لا تناسب توجّهاتها وسلطتها، كأنّ مهنة المؤرخ تشكّل خطرًا على السلطة القائمة. ونذكر بأنه كان من المستحيل أن تسمح دولة عبد الناصر بدراسة المرحلة الملكية أو إنجازات محمد علي باشا وخلفائه. وفي سوريا كان الأمر مشابهًا، فلم يكن من الممكن أن تدرّس مرحلة الحكومة العربية التي قامت بعد الحرب العالمية الأولى وأطاح بها الاستعمار الفرنسي.
يلفت لطفي عيسى انتباهنا إلى مسألة علاقة المؤرّخ بالسلطة، أو بالأحرى رقابة السلطة على البحث التاريخي إذا لم يتوافق مع سياساتها. وقد عالج في "انعكاس الظل"، مسائل عميقة مثل التناقض في مرحلة تداخلت فيها مفاهيم الأمة والوطن، إلى التباين بين الثقافة الشعبية والثقافة العالمية، وبين الثقافة التقليدية والثقافة الحديثة.
(خاص عروبة 22)

