تقدير موقف

من مسقط إلى صلالة... المشكلة في طهران!

دعت سلطنة عُمان إلى اجتماع لوزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي والعراق وإيران، كان مقررًا عقده في صلالة يوم الاثنين 14 سبتمبر/أيلول. وقبل الموعد بنحو ثمانٍ وأربعين ساعة، أعلنت البحرين أنّها لن تحضر، وشرحت أسباب موقفها. ثم، قبل ساعات من الموعد المفترض، أعلنت عُمان تأجيل الاجتماع. في تقديري أنّ التأجيل أقرب إلى الإلغاء، لأن الفكرة عينها لم تكن واقعيةً في الظروف الحالية.

من مسقط إلى صلالة... المشكلة في طهران!

منذ الإعلان عن الدعوة، عاد إلى ذاكرتي اجتماع مسقط في نوفمبر/تشرين الثاني 1975. يومها اجتمعت دول الخليج والعراق وإيران الشاه، وكانت الفكرة أيضًا البحث عن صيغة للأمن الإقليمي. فشل الاجتماع لأنّ طهران أرادت أن تكون المهيمن، لا الشريك. أرادت إخراج القوى الأخرى من معادلة الأمن، كي تصبح القوة الأكبر التي تحدّد للآخرين حدود حركتهم.

بعد أكثر من نصف قرن، تغيّر النظام في إيران، ولكن شيئًا مهمًا لم يتغيّر: النظرة إلى الجوار.

إيران لم تعد إيران الخميني ولا حتى إيران علي خامنئي

المفارقة أنّ إيران التي تتحدّث عن أمن مشترك هي نفسها التي بنت طوال عقود أدوات نفوذ عسكرية وسياسية في عددٍ من الدول العربية، واستخدمتها عند الحاجة للضغط على جيرانها. لذلك فإنّ الدعوة إلى الحوار لا تكفي. المطلوب أولًا أن يعرف المدعوّون: مع أي إيران سوف يتحاورون؟.

هذا السؤال أصبح اليوم أكثر أهمية.

إيران لم تعد إيران الخميني، ولا حتّى إيران علي خامنئي. كانت هناك في الماضي قمّة واضحة للهرم. نستطيع أن نختلف معها، ولكنّنا نعرف أين يوجد القرار ومَن يملك الكلمة الأخيرة.

اليوم تغيّر المشهد.

بعد مقتل علي خامنئي في فبراير/شباط الماضي، وصعود مجتبى خامنئي، دخل النظام الإيراني مرحلةً جديدةً. المرشد الجديد غائب تقريبًا عن المجال العام، بينما اتسعت مساحة الحرس الثوري، وبقيت الحكومة برئاسة مسعود بزشكيان تُحاول التعامل مع اقتصاد متعب ومجتمع قلق وعلاقات خارجية شديدة التعقيد.

تعدُّد مراكز القوة يجعل الاتفاق مع جهة بداية لمشكلة مع جهة أخرى

أصبحت أمامنا إيران متعدّدة الرؤوس. هناك المرشد ومكتبه، وهناك الحرس الثوري ومصالحه ومؤسّساته، وهناك البرلمان والمتشدّدون داخله، وهناك رئيس الجمهورية وحكومته. لكلّ طرف حساباته، وليس مؤكدًا أن ما يقوله أحدهم يُلزم الآخرين.

وهنا تكمن مشكلة أي مؤتمر إقليمي.

لنفترض أن اجتماع صلالة عُقد، وتوصّل الوزراء إلى تفاهمات حول عدم التدخل، واحترام سيادة الدول، ووقف الاعتداءات، وبناء الثقة. مَن يستطيع أن يضمن تنفيذها؟.

هل يستطيع وزير الخارجية الإيراني أن يتعهّد باسم الحرس الثوري؟ وهل تستطيع الحكومة أن تمنع جهة عسكرية أو أمنية من اتخاذ قرار يناقض ما وقّعت عليه؟ وهل يستطيع الرئيس بزشكيان أن يُقدم لجيرانه ضمانًا بأن ما يقوله اليوم لن تنسفه قوة أخرى غدًا؟

تلك ليست أسئلة نظرية. إنّها صلب المشكلة.

الديبلوماسية تحتاج إلى طرف قادر على اتخاذ القرار وتنفيذه. أمّا تعدّد مراكز القوة، فيجعل الاتفاق مع جهة مجرّد بداية لمشكلة مع جهة أخرى.

لم نعد نعرف أيّ رأس في طهران يملك الكلمة الأخيرة

لهذا لم أستغرب تأجيل اجتماع صلالة. وربّما كان عدم انعقاده أفضل من اجتماع ينتهي بصورة جماعية وبيان منمّق، ثم يعود الجميع إلى النقطة عينها.

من مسقط 1975 إلى صلالة 2026، تغيّر الكثير في المنطقة. دول الخليج تغيّرت، والعراق تغيّر، والعالم تغيّر. أمّا إيران فما زالت تبحث عن موقع المُهيمن أكثر من بحثها عن موقع الشريك.

وزاد الأمر اليوم تعقيدًا: لم نعد نعرف أيّ رأسٍ في طهران يملك الكلمة الأخيرة. وتلك هي المعضلة.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن