لا يمكن فصل هذه الاحتجاجات عن السياقات الاقتصاديّة والماليّة التي تتحرّك داخلها هذه الدول، فعددٌ منها يرتبط بقروض أو برامج تمويل من المؤسّسات الماليّة الدوليّة، وقد يترافق بعض الإصلاحات المرتبطة بها مع إجراءات تقشفيّة تؤثّر في الحياة اليوميّة للمواطنين، من خلال رفع الأسعار، وتقليص الدعم، وزيادة الضرائب، وتزداد المفارقة حدّةً حين لا تتوزّع كلفة هذه الإجراءات ومنافع الموارد العموميّة بصورة عادلة بين مختلف الفئات الاجتماعيّة.
احتجاجات "جيل زد" تعبير عن اعتراض على اختلال العلاقة بين السلطة والثروة
وتكتسب هذه المفارقة دلالةً أكبر في ضوء دراسة نيلس يوهانسن (Niels Johannesen) وآخرين: "استحواذ النّخبة على المساعدات الخارجيّة: أدلّة من الحسابات المصرفيّة الخارجيّة"، التي بحثت في العلاقة بين توقيت تلقي القروض والمساعدات الدولية وارتفاع التحويلات إلى الحسابات المصرفيّة في الملاذات المالية الآمنة (سويسرا ولوكسمبورغ)، لصالح النّخب وكبار المسؤولين. وتساعد هذه النتائج على فهم إحدى صور ما يُمكن تسميته "تعميم الديون وتخصيص الأرباح"، إذ يتحمّل المجتمع بصورة جماعيّة كلفة الديون والإجراءات التقشفيّة، بينما قد تستفيد النّخب الحاكمة أو المرتبطة بها من الموارد بصورة غير متكافئة.
من هنا، لا تبدو احتجاجات "جيل زد" مجرّد رد فعل على وقائع فساد منفردة، وإنّما تعبيرًا عن اعتراض أوسع على اختلال العلاقة بين السلطة والثروة، وتوزيع الأعباء والمنافع داخل المجتمع، فالمطلب لا يقتصر على معاقبة مسؤول فاسد، بل يمتدّ إلى مساءلة آليّات إنتاج القرار العمومي وتوزيع الموارد، والمُطالبة بمؤسّسات أكثر شفافيّة وقدرة على الاستجابة للحاجات الاجتماعيّة والاقتصاديّة للأجيال الجديدة.
وتؤكد نتائج "مؤشّر مدركات الفساد" استمرار هذه الإشكالية على المستوى العالمي، إذ حصلت غالبيّة الدول على درجات تقلّ عن 50 نقطة، في مقابل تصدّر الدنمارك وفنلندا وسنغافورة الترتيب، بينما جاءت الدول التي سجلت أدنى الدرجات، مثل جنوب السّودان والصّومال وفنزويلا، ضمن سياقات تتّسم غالبًا بضعف مؤسّسات الدولة وعدم الاستقرار والقمع.
التحوّل الرقمي يُضيف إلى معركة مكافحة الفساد بُعدًا جديدًا
ومع ذلك، فإنّ الفساد ليس قدرًا محتومًا، كما جاء في كلمة فرانسوا فاليريان، رئيس "منظمة الشفافيّة الدوليّة"، إذ تتطلّب مواجهته قيادة سياسية ملتزمة بتطبيق القانون، وحماية الفضاء المدني، وتعزيز الشفافيّة والمساءلة، وإغلاق الثغرات الماليّة التي تسمح بانتقال الأموال الفاسدة عبر الحدود.
غير أنّ التحوّل الرقمي يُضيف إلى معركة مكافحة الفساد بُعدًا جديدًا، فمن جهة، يمكن للأنظمة الرقمية أن تُعزّز الشفافيّة من خلال تتبّع المعاملات، وربط البيانات، ورصد المخالفات، والحدّ من بعض أشكال التدخل البشري والفساد الإداري، ومن جهة أخرى، قد تتحوّل هذه الأدوات عينها إلى آليّات موسّعة لمراقبة المواطنين وضبط سلوكهم، وهنا يبرز إشكال الحوكمة الخوارزميّة: هل يمكن أن تُصبح مكافحة الفساد مدخلًا لتوسيع سلطة الدولة على المجتمع؟.
يتجسّد هذا السؤال في فكرة نظام الائتمان الاجتماعي، القائم على جمع وتحليل بيانات متعدّدة عن الأفراد والمؤسّسات وتصنيف سلوكهم وفق معايير محدّدة، بما يسمح بمنح حوافز أو فرض قيود بصورة آليّة، وقد تمتدّ هذه الآليّة إلى تصنيف أفعال مثل اختلاس المال العام أو التهرّب الضريبي أو عدم الامتثال للقانون باعتبارها "أفعال خرق للثقة"، بما قد يؤدّي إلى إدراج أصحابها في قوائم سوداء أو تقييد وصولهم إلى المناصب والبرامج والخدمات الحكومية. وعلى الرغم ممّا قد توفره هذه الأنظمة من إمكانات للردع، فإنها تطرح سؤالًا أكثر جوهرية: مَن يُحدّد معايير السلوك المقبول؟ ومَن يراقب الخوارزميّة التي تراقب المواطن؟.
الانتقال من الرقابة التقليدية إلى الرقابة الخوارزميّة لا يضمن تلقائيًّا مزيدًا من النزاهة
وعليه، فإنّ الحوكمة الرقميّة لا ينبغي أن تُختَزل في زيادة قدرة الدولة على مراقبة المجتمع، بل ينبغي أن ترتبط أيضًا بزيادة قدرة المجتمع على مراقبة السلطة، فالانتقال من الرقابة التقليدية إلى الرقابة الخوارزميّة لا يضمن تلقائيًّا مزيدًا من النّزاهة، إذ يمكن أن ينتقل مركز القوة من الموظف أو المؤسّسة البيروقراطيّة إلى النظام الخوارزمي الذي يُحدّد ما يُراقب، وما يُصنّف، وما يُكافأ، وما يُعاقب.
لذلك، لا تتحقّق مكافحة الفساد بمجرّد تشديد العقوبات أو توسيع نطاق المراقبة، وإنّما ببناء مؤسّسات قويّة ومستقلة، وفضاء مدني قادر على المساءلة، ونُظم ماليّة شفّافة، وخوارزميّات خاضعة للرقابة والمُساءلة، فالغاية النهائية ليست "الحكم النّظيف" وحسب، وإنّما بناء عقد اجتماعي أكثر عدالة، تتوزّع فيه المنافع والتكاليف بصورة مُنصفة، وتخضع السلطة، التقليديّة منها والرقميّة، للمساءلة أمام المجتمع.
(خاص عروبة 22)

