يأتي هذا التحوّل بعد نحو اثني عشر عامًا على اندلاع الحرب اليمنية، وبعد فترة من الهدوء النسبي التي أعقبت هدنة عام 2022، فيما كانت الجهود السياسية تتجه نحو تسوية تنهي الحرب أو تجمّدها على الأقل.
حتى ما قبل التاسع من سبتمبر/أيلول، كانت المعادلة تبدو مختلفة. فقد أعلن الحوثيّون استهداف الملاحة السعودية في البحر الأحمر لإجبار الرياض على العودة إلى ما سُمِّيَ بخريطة الطريق التي تبلورت نهاية عام 2023، بينما كانت الحكومة المُعترف بها دوليًا، وبدعم من الرياض، تخطّط لتنفيذ عملية عسكرية لتحسين موقعها التفاوضي ودفع الحوثيين إلى العودة إلى طاولة الحوار وفق مرجعيّات الحل السياسي وقرارات مجلس الأمن.
لكن التطوّرات العسكرية تجاوزت هذه الحسابات. فبينما كانت القوات الحكومية والقوى المتحالفة معها تُعيد ترتيب انتشارها في المناطق الوسطى، وجّه الحوثيون ضربةً استباقيةً وشنّوا هجومًا واسعًا على الساحل الغربي، معتمدين على كثافة نارية وبشرية كبيرة، وركّزوا على تفكيك خطوط الدفاع المؤدّية إلى المخا وباب المندب.

بدأ الهجوم بالسيطرة على مفترق طرق غرب تعز، ومعسكر خالد بن الوليد، قبل أن يتوسّع باتجاه مدينة المخا ومينائها. وفي العاشر من سبتمبر/أيلول تقريبًا دخل الحوثيّون مدينة وميناء المخا، ثم توجّهوا جنوبًا نحو مديرية ذوباب المطلّة على باب المندب، بينما انسحبت القوات الحكومية من جزيرة ميون، قبل أن يصل إليها الحوثيّون في اليوم التالي.
وتكمن أهمية هذه التطوّرات في أنّ السيطرة على ذوباب والمخا لا تعني مجرّد سقوط مناطق ساحلية وميناء تجاري، بل تمنح الطرف المسيطر موطئ قدم على أحد أكثر الممرّات البحرية حساسيّةً في العالم. أمّا الوصول إلى جزيرة ميون، الواقعة في قلب مضيق باب المندب، فينقل الصراع من مجرّد السيطرة على الأرض إلى القدرة على التأثير في حركة الملاحة البحرية.
الانهيار السريع في بعض المواقع الحكومية كشف مشكلةً تتجاوز التفوّق العسكري الحوثي، وهي ضعف التنسيق وتعدّد مراكز القرار داخل المعسكر الحكومي، حيث مثّلت معركة باب المندب اختبارًا لقدرة هذه القوى على إعادة بناء جبهة عسكرية وسياسية متماسكة.
وتكتسب المعركة أهميةً أكبر بسبب تزامنها مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز. فكلّما ارتفعت المخاطر هناك، ازدادت أهمية باب المندب والبحر الأحمر بالنسبة إلى حركة التجارة والطاقة العالمية. ومع هذا التحوّل أصبح المضيقان عرضةً للتهديد في وقت واحد.
هذا الأمر لن يتوقّف تأثيره عند الصراع الداخلي في اليمن أو السعودية، بل سيمتدّ إلى أسعار النفط والتأمين البحري وسلاسل الإمداد العالمية، حيث تواجه الرياض نتيجة ذلك معادلةً أمنيةً شديدة التعقيد. فالمملكة تمتلك خط أنابيب شرق - غرب الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، ويوفّر بديلًا مهمًّا عن التصدير عبر هرمز. وقد تعرّضت منشآت الطاقة الأخرى لهجمات متواصلة من الحوثيين وفصائل عراقية تدين بالولاء لطهران، وهو ما جعل البدائل نفسها عرضةً للمخاطر.

أمّا الولايات المتحدة فقد أكّدت تلقّيها تطمينات من الحوثيين بشأن مصالحها وسفنها، لكن لا أحد يعرف على ماذا تراهن في موقفها، لأن السماح للحوثيين بترسيخ وجودهم حول المضيق سيمنح إيران ورقة ضغط استراتيجية إضافية في البحر الأحمر وخليج عدن!.
ومن هنا قد تواجه الرياض ضغوطًا أميركية وإسرائيلية متزايدة لإعادة ترتيب خياراتها الأمنية والسياسية في المنطقة، وربط ذلك بملفات سياسية أوسع بما فيها التطبيع مع تل أبيب قبل الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة.
وفي المُحصّلة، قد تكون معركة باب المندب نقطة تحوّل في الحرب اليمنية. لكنّها لم تعد مجرّد تغيّر في خطوط السيطرة داخل البلاد، وإنما انتقال تدريجي لمركز ثقل الحرب نحو الممرّات البحرية والطاقة والأمن الإقليمي.
وما بعد هذه المعركة يكشف أن الأبعاد الإقليمية والدولية للحرب الدائرة في هذا البلد العربي باتت أكثر وضوحًا وأقوى تأثيرًا في ظلّ غياب الدور العربي الفاعل في هذا الصراع الذي يمسّ أمن وسلامة الوطن العربي بأكمله.
(خاص عروبة 22)

