ربما لم تحيي حرب غزة، وما رافقها من انحياز غربي غير مسبوق لإسرائيل، فكرة "نظرية المؤامرة" في الوعي العربي بقدر ما أعادت ترسيخها؛ فبعد نحو ثلاث سنوات من مشاهد الدمار والإبادة والفيتو الأمريكي المتكرر والتردد الأوروبي في محاسبة إسرائيل، بات من الطبيعى أن يقتنع كثيرون بأن كل ما يجري في المنطقة تحركه خيوط خفية تنتهي دائمًا في تل أبيب أو واشنطن. هذا الشعور مفهوم، لكنه لا يصلح منهجًا لتفسير كل أزمة؛ فالسياسة الدولية أكثر تعقيدًا من أن تختزل دومًا في مؤامرة، كما أن لكل أزمة سياقها وحساباتها ومصالحها، وأزمة اقتحام عشرات الآلاف من المغاربة لمدينة سبتة الخاضعة للإدارة الإسبانية تقدم مثالًا واضحًا على مخاطر هذا التبسيط.
فما إن اندفع نحو ستين ألف مغربي إلى سبتة خلال ساعات قليلة، حتى انتشرت تفسيرات تؤكد أن ما جرى مؤامرة إسرائيلية لإسقاط حكومة بيدرو سانشيز، عقابًا لها على مواقفها المؤيدة للفلسطينيين وانتقاداتها الحادة لإسرائيل. وذهب بعض المعلقين إلى أبعد من ذلك، متحدثين عن تنسيق مغربي ـ إسرائيلي لتحقيق هذا الهدف. لكن المشكلة أن هذه الرواية لا تستند إلى دليل واحد، فلا التحقيقات الإسبانية، ولا مداولات الاتحاد الأوروبي، ولا التحليلات الأمنية الرصينة، أشارت إلى أى دور إسرائيلي مباشر أو غير مباشر بل إن النقاش الأوروبي انصب على أسباب مختلفة تمامًا، تتعلق بالهجرة والعلاقات المغربية الإسبانية والتنافس الإقليمي في شمال إفريقيا، وهذا ليس تبرئة لإسرائيل، لأنها لو استطاعت فعل ذلك ستفعله.
أما الاستناد إلى تلقف اليمين الشعبوي الأوروبي الأزمة في الهجوم على إسبانيا، يعود ذلك إلى أن هذا التيار المتطرف يعيش سياسيًا على الهجرة أكثر مما يعيش على أي برنامج اقتصادي أو اجتماعي؛ فمن جورجيا ميلوني في إيطاليا، إلى أحزاب اليمين في ألمانيا والنمسا وفرنسا، أصبحت الهجرة الوقود الانتخابي الأول.. هؤلاء لا يحتاجون إلى مؤامرات؛ فكل قارب يصل إلى أوروبا يمنحهم آلاف الأصوات الجديدة.
وتؤكد نتائج الانتخابات الأوروبية واستطلاعات الرأي خلال الأعوام الأخيرة أن صعود اليمين المتطرف ارتبط أساسًا بملف الهجرة، وليس بخطط اقتصادية أو برامج رفاه اجتماعي. فهو يحمّل المهاجرين مسئولية البطالة، وأزمة الإسكان، وتراجع الخدمات الصحية، والضغط على البنية التحتية، رغم أن دراسات ديموغرافية أوروبية عديدة تشير إلى أن القارة، في ظل انخفاض معدلات المواليد وشيخوخة السكان، تحتاج إلى العمالة المهاجرة للحفاظ على أسواق العمل وأنظمة التقاعد. لكن لماذا حدث ذلك؟
هنا تظهر السياسة، لا المؤامرة؛ فقبل الأزمة بأسابيع قليلة، أعادت مدريد تحسين علاقاتها مع الجزائر، الخصم الإقليمي للمغرب، كما أقر البرلمان الإسباني تعديلات تمنح فئات من أبناء الصحراء الغربية تسهيلات للحصول على الجنسية الإسبانية، وهي خطوة أثارت - بحسب الكثير من التحليلات- حساسية كبيرة في الرباط، التي تعتبر الصحراء جزءًا لا يتجزأ من سيادتها، ولهذا يعتبر البعض أن المغرب غضّ الطرف نسبيا عن محاولات الهجرة.
وزاد الموقف تعقيدًا صدور حكم من المحكمة العليا الإسبانية يمنع إعادة أي مهاجر يصل سباحة إلى سبتة قبل دراسة طلبه بصورة فردية، وهو ما استغلته حسابات على "تيك توك" ومنصات التواصل الاجتماعي، ونشرت معلومات مضللة أوحت بأن الطريق إلى أوروبا أصبح مفتوحًا. وانتشرت مقاطع فيديو تقدم إرشادات حول أماكن العبور، بل وتشجع الشباب على خوض المغامرة. كما لا يمكن تجاهل العامل الاقتصادي؛ فالمغرب حقق بالفعل إنجازات كبيرة في السنوات الأخيرة؛ أصبح أكبر منتج للسيارات في إفريقيا، واستقطب أكثر من عشرين مليون سائح، ويمتلك أول قطار فائق السرعة في القارة، ويستعد لاستضافة كأس العالم 2030 مع إسبانيا والبرتغال. لكن هذه هي نصف الحقيقة فقط. أما النصف الآخر فهو أن البطالة بين الشباب ما تزال مرتفعة، والخدمات الصحية والتعليمية تواجه تحديات كبيرة، كما أن الفوارق الاجتماعية والاتهامات بالفساد يدفعان كثيرًا من الشباب إلى البحث عن فرصة خارج البلاد.
اللافت أن رد الفعل الأوروبي لم يكن موجهًا ضد إسبانيا، كما تصور البعض؛ فبينما انتقدت حكومات يمينية سياسة مدريد، سارعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى الإشادة بإدارة الحكومة الإسبانية للأزمة، مؤكدة أن مدريد نجحت في منع انتقال المهاجرين إلى البر الأوروبي، كما عرضت المفوضية تقديم دعم إضافي لإسبانيا وتعزيز التعاون مع المغرب لمنع تكرار ما حدث. الدرس الذى ينبغي أن نتعلمه من سبتة هو أن نظرية المؤامرة قد تمنحنا تفسيرًا سريعًا، لكنها كثيرًا ما تحرمنا من رؤية الأسباب الحقيقية.
(الشروق المصرية)

