"قُصرة"، بلدةٌ صغيرةٌ على الأطراف الجنوبية لمدينة نابلس الفلسطينية، جذبت الانتباه الدولي قليلاً، وخاصة الأميركي إلى ما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة. العنوان الأبرز هو إرهاب المستوطنين الإسرائيليين، التعبير في حد ذاته يثير الكثير من الدلالات. استخدمه السفير الأميركي هاكابي، على الرغم من تأييده الصَّريح للاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة. تغيّرٌ عابرٌ حدث نظراً لقيام المستوطنين الإرهابيين، حسب وصفه، بمحاصرة منزل يعود لفلسطيني يحمل الجنسية الأميركية، فكان لا بدَّ من الإدانة والغضب، فقط لإنهاء الحصار عن هذا المنزل، وليس لمنازل الفلسطينيين الآخرين المُحاصرين بلا ماء وغذاء وكهرباء. عندها قام الجيش الإسرائيلي بتفكيك خيمتين للمستوطنين الإرهابيين، وترك خيمات أخرى، ثم أخرج باقي الفلسطينيين من منازلهم بحجة أنها ستتحول إلى ثكنة عسكرية لفرض الأمن في المنطقة.
تصرُّف الجيش على هذا النحو حقَّق الهدف الرئيس للمستوطنين الإرهابيين، فقد تمت الخطوة الأولى المعتادة حين يتم التخطيط للاستيلاء على أراضٍ فلسطينية، تبدأ بهجوم على أصحاب الأرض، وحين يقاومون بأبسط الأدوات إن وجدت لديهم، يتم تصوير الأمر كنزاع يدفع جيش الاحتلال إلى التدخل، وبدوره يأمر الفلسطينيين بالإخلاء، ويترك المستوطنين الإرهابيين يُقيمون بؤرة استيطانية محدودة، وبعد حين تحصل على كل الموافقات والامتيازات وتُوفَّر لها موارد المياه والكهرباء وتراخيص البناء. ما يجري في بلدة "قُصرة" مجرد نموذج، ليس الأول، وكل المؤشرات تنذر أنه لن يكون النموذج الأخير.
فالهجمة الاستيطانية ليست حدثاً عابراً، بل هي سياسة ومنهج تعمل على تطبيقه المؤسسات الإسرائيلية كافة. المستوطنون الإرهابيون ليسوا فقط نتاج بيئة إسرائيلية متطرفة، وليسوا نتاجاً حديثاً لحكومة متطرفة يرأسها نتنياهو، ومن وزرائها متطرفون أقحاح كسموتريتش وبن غفير، وهي حكومة لا تعترف بحقوق الفلسطينيين، وتنكر وجودهم أصلاً، بل هم عنصر فاعل وعضوي في تطبيق الاستراتيجية الإسرائيلية الصهيونية، الرامية إلى السيطرة على كامل أرض فلسطين، ومنع قيام الدولة الفلسطينية على الأراضي المحتلة منذ 1967.
فمنذ السبعينات ظهرت جماعة "غوش إيمونيم" تروج للاستيطان في كامل أرض فلسطين كمكوّن رئيس للاعتقاد الديني اليهودي، كما لعبت دوراً مباشراً في تأسيس العديد من المستوطنات، الأمر ذاته روَّجت له جماعة "ياشيفوت" الدينية القومية، مصحوبة ببرامج لتدريب قادة المستوطنين المحليين وجذب مستوطنين جدد. وفي السنوات القليلة الماضية ظهرت جماعات أخرى كـ"شبيبة التلال"، ركَّزت على الممارسات الميدانية المصحوبة بالعنف ضد التجمعات الفلسطينية الصغيرة العدد، لا سيما في مناطق الأغوار والأراضي الزراعية، وجماعة "ليهافا" التي تدعو إلى الفصل الكامل بين الفلسطينيين واليهود في الأراضي المحتلة وتروّج لأفكار دينية شديدة التطرف. وعلى الصعيد القانوني تبرز منظمة "ريغافيم"، التي تتابع ملفات الملكية وتعمل على شرعنة الأعمال الاستيطانية، والطعن في حقوق الفلسطينيين في ممتلكاتهم، كما تنظم أنشطة احتجاجية ضد أي قرارات تتعلق بإخلاء أية بؤرة استيطانية مهما كانت صغيرة.
إدارياً، تشكلت مجالس المستوطنين كهيئات رسمية تدير المستوطنات، وتقوم بالتخطيط وتنفيذ البنى التحتية. فضلاً عن منظمات التمويل وأبرزها "إيلاد" و"أمانا"، تؤدي دوراً رئيساً في تأسيس المستوطنات وشراء الأراضي وبناء الوحدات السكنية وإدارتها، لا سيما في الضفة المحتلة وفي القدس وما حولها. الاستيطان المصحوب بالإرهاب والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، وتجويع الفلسطينيين وتدمير البنى التحتية، لا سيما الخاصة بالمياه التي يعتمد عليها الفلسطينيون لري أراضيهم الزراعية، يُعد منظومة متكاملة تجمع بين التفسيرات الدينية التوراتية التي تبيح إنكار الحقوق الفلسطينية كاملة، والتنظيم الإداري والجماعات القانونية ومصادر التمويل من الداخل والخارج معاً، واستقطاب العناصر، وتحديد المواقع المقرر استهدافها بالتنسيق مع الجهات الرسمية، سواء لإنشاء بؤر استيطانية جديدة أو لتوسيع بؤر استيطانية قديمة، تطورت عبر عقد أو أكثر لتصبح مراكزَ سكانية كبرى، يُراد لها أن تستولي على مزيد من الأراضي المجاورة لها، بحجة مواكبة الزيادة السكانية والتطور الطبيعي للمستوطنين.
تتداخل تحرّكاتُ المستوطنين مع قرارات الحكومات المختلفة طوال العقود السبعة الماضية بإقامة مناطق سكنية في أراضٍ فلسطينية تم نزع ملكيتها من أصحابها ومصادرتها، واعتبارها أراضيَ دولة سواء بمبررات أمنية واهية أو لأغراض استيطانية مباشرة. يصاحب ذلك سياسة متعمدة لإضعاف السلطة الوطنية الفلسطينية، وتجفيف منابعها المالية، من خلال تأخير إرسال الأموال المستحقة لها عبر ما يعرف بالمقاصة التي حددتها اتفاقيات أوسلو، أو استقطاع نسبة من تلك الأموال تحت مبرر تعويض الإسرائيليين الذين استُهْدِفوا من قبل فلسطينيين، والذين يتم وصفهم بالإرهاب، وفقاً للتوصيف الإسرائيلي. الأمر الذي يُعمق أزمة السلطة الوطنية ويضعف دورها الرئيسي في حماية الفلسطينيين، وتوفير أسس مناسبة للصمود والعيش في أراضيهم.
ويبرز قرار وزير الدفاع الإسرائيلي كاتس نقل صلاحيات إنفاذ القانون المتعلقة بالمستوطنين من الجيش إلى الشرطة الإسرائيلية، النوايا الدفينةَ والمعلنة معاً في مدِّ السيادة الإسرائيلية عبر إجراءات تبدو ثانوية إلى المناطق "أ" و"ب"، والتي تعد مناطق محتلة يتم التعامل معها من قبل جيش الاحتلال، ولكنها وفق توجُّه وزير الدفاع كاتس ستكون تحت سلطة الشرطة الإسرائيلية، بعد تشكيل قوة خاصة لهذا الغرض، وتوفير المعدات والأسلحة والأموال لتتناسب مع مهمتها المرجوة.
قرار كاتس يمثل الوجهَ الرسمي لتوسيع الاستيطان من دون ضجيج، وبدء تطبيق قدر من السيادة الإسرائيلية المباشرة على مجمل الأراضي الفلسطينية المحتلة. القرار خطير، وهو مقدمة لتطبيق السيادة التي رُئي في السابق أن الظروف الدولية لا تسمح بمثل هذه الخطوة، بيد أن حكومة المتطرفين الراهنة ترى الأمر مختلفاً.
(الشرق الأوسط)

