تكشف النتائج عن صورة تعليميّة عالميّة أكثر تعقيدًا من التقسيم التقليدي بين دول غنية متقدّمة ودول فقيرة متأخرة. فمن جهة، حافظت أنظمة تعليميّة آسيويّة، وفي مقدمتها سنغافورة والصين واليابان وكوريا، على مستويات مرتفعة في العلوم والرياضيّات والقراءة. ومن جهة أخرى، سجّلت دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية أدنى متوسط أداء لها حتى الآن في المجالات الثلاثة، مع تراجع واضحٍ، خصوصًا في الرياضيّات والقراءة.
لكن ما يلفت النظر عربيًّا هو ظهور مؤشرات تحسّن في عددٍ من الأنظمة التعليميّة. فقد سجّلت الأردن والسعودية والإمارات تحسنًا في العلوم مقارنةً بالدورات السّابقة. وبلغ متوسط الإمارات 458 نقطةً في العلوم، مقابل 434 لقطر، و413 للسعوديّة، و407 للأردن. ولا تعني هذه الأرقام أنّ الأنظمة العربيّة وصلت إلى مستوى الدول التعليميّة الرائدة، لكنها تشير إلى أنّ بعض هذه الأنظمة بدأ يتحرك في اتجاه إيجابي. والأكثر أهمية أنّ الإمارات والسعودية وقطر استطاعت الجمع بين تحسين الأداء وتقليص نسبة الطلّاب منخفضي الأداء، أي توسيع قاعدة الطلاب الذين يمتلكون الحدّ الأدنى من المهارات.
التحدي لا يتمثل في نقص الموارد وإنما في كفاءة تحويل الموارد إلى نتائج تعليمية
وهنا ينبغي أن نطرح سؤالًا مختلفًا: هل مشكلة التعليم في المنطقة العربية ترتبط بنقص المال؟. لا يبدو أنّ نتائج التقرير تؤيد هذه الفكرة بصورة بسيطة. فالثروة الوطنية لا تُفسّر سوى جزء من الاختلاف في أداء الطلاب، كما أنّ حجم الإنفاق على الطالب لا يضمن وحده جودة التعليم. ويُقدّم التقرير مثال لوكسمبورغ، التي تنفق نحو 288 ألف دولار لكل طالب، ومع ذلك حقّقت في العلوم متوسطًا أقل من دول تنفق أقل من نصف هذا المبلغ. المسألة، إذن، ليست فقط مقدار الموارد، وإنّما القدرة على تحويلها إلى معلمين أفضل، ومناهج أكثر فاعليّة، ودعم للطلاب المتعثّرين، وتقييم يساعد على التعلم.
هذه ملاحظة مُهمّة بالنسبة إلى العالم العربي، حيث إنّ التحدي لا يتمثّل بالضرورة في نقص الموارد، وإنّما في كفاءة تحويل الموارد إلى نتائج تعليميّة، ولذلك فإنّ تجربة الأردن، والإمارات، والسعوديّة، وقطر تستحق المتابعة ليس من زاوية ارتفاع الدرجات وحسب، وإنّما من زاوية السياسات التي جعلت هذا التحسن ممكنًا.
كلّما أصبح الوصول إلى المعلومات أسرع أصبحت الحاجة إلى التمهل في قراءتها والتحقّق منها أكبر
لكن ربّما تكمن أهم رسالة في تقرير "بيزا 2025" في مكان آخر، ومفادها أنّ أزمة القراءة أصبحت أزمة تفكير، فقد تبيّن أنّ أداء القراءة تراجع بين 2018 و2025 في نحو ثلاثة أرباع الأنظمة التعليميّة التي تتوافر عنها بيانات قابلة للمقارنة. والأكثر إثارة للقلق أنّ التراجع يرتبط بمهارات أصبحت أكثر أهمية في عصر الذكاء الاصطناعي: تقييم المعلومات، والربط بين مصادر متعدّدة، والتفكير النقدي، والتمييز بين المعلومات المفيدة والمُضلّلة.
وتزداد أهميّة هذه النتيجة مع ظاهرة يُسميها التقرير "القرّاء المتسرعين" (Hasty Readers)، أي الطلاب الذين يمرّون بسرعة على النصوص ويقدمون إجابات سريعة لكنها خاطئة. وكادت نسبة هؤلاء الطلاب أن تتضاعف بين 2018 و2025.
وهنا تظهر مفارقة عصر الذكاء الاصطناعي، حيث كلّما أصبح الوصول إلى المعلومات أسرع، أصبحت الحاجة إلى التمهل في قراءتها والتحقّق منها أكبر، فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يساعد الطالب في البحث والتلخيص والحصول على إجابة أو تفسير، لكنّه لا يستطيع أن يُلغي الحاجة إلى الحكم البشري. وإذا اعتاد الطالب الحصول على إجابة جاهزة من دون أن يقرأ بعمق، أو يقارن بين المصادر، أو يسأل عن صحّة المعلومات، فقد تتحوّل التكنولوجيا من أداة لتوسيع المعرفة إلى أداة لتوسيع الأخطاء.
الاستثمار الحقيقي في التعليم هو بناء عقل قادر على التفكير قبل أن يكون قادرًا على الوصول إلى المعلومات
ولهذا فإنّ السؤال الذي ينبغي أن تطرحه نتائج التقرير على أنظمتنا التعليميّة العربيّة ليس كيف نرفع درجات طلابنا في الاختبارات الدولية وحسب، بل سؤال أعمق: كيف نبني طالبًا عربيًّا قادرًا على التفكير في عالم أصبحت فيه الإجابة مُتاحة بضغطة زر؟
المدرسة التي نحتاج إليها ليست المدرسة التي تُعلّم الطالب الوصول إلى المعلومة فقط، وإنّما التي تُعلّمه أن يقرأ، ويفهم، ويقارن، ويتحقّق، ويربط المعلومات، ويُفكّر نقديًا، ثم يستخدم الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة في خدمة تفكيره، لا بديلًا عنه. ربما تكون هذه هي المفارقة الأهم التي يكشفها التقرير في عصر لم تعد فيه المشكلة تكمن في نقص المعلومات، إذ يُصبح الاستثمار الحقيقي في التعليم هو بناء عقل قادر على التفكير قبل أن يكون قادرًا على الوصول إلى المعلومات.
رفع مهارات طلابنا يجب أن يكون محلّ اهتمام مشترك وتعاون تعليمي عربي
علينا أن نستخلص الدروس جماعيًّا وعربيًّا من هذا الاختبار الدولي، وأن نشيد أولًا بالبلدان العربيّة التي سمحت لطلابها اليافعين بالمشاركة في هذه الاختبارات التي تقيس مهارات عليا لدى الشباب على الرغم من أنّ أغلب البلدان العربيّة المتوسطة والفقيرة ما زالت تركز في هذه المرحلة من نموها الاقتصادي على بناء أو تعزيز المهارات الأساسيّة للطلاب وتكافح من أجل توفير الموارد لدعم التعليم في ظروف الحروب والنزاعات وعدم الاستقرار ونقص الموارد، وهذا سلوكٌ سياسيٌّ شجاعٌ من المسؤولين عن قطاع التربية والتعليم في هذه البلدان يُمَكّنهم من معرفة الواقع التعليمي والعمل على تحسينه.
في الأخير، إنّ اختبار مهارات طلابنا ورفع مهاراتهم من الدنيا إلى العليا يجب أن يكون محلّ اهتمام مشترك وتعاون تعليمي عربي، كما يجب أن يشارك فيه الجميع وخاصّةً المعلمون والهيئات المهنيّة الربحيّة وغير الربحيّة المختصّة في الشؤون التربويّة، وينبغي على الحكومات العربيّة أن تُشجّع قيام تعاون تربوي عربي بين هذه الهيئات المستقلة لتقييم مُخرجات التعليم والبحث في سُبُل رفع مهارات طلابنا وتحضيرهم لعالم جديد من التحديات المتنوعة القادمة التي تختلف عن التحديات التي عاشتها الأجيال التي سبقت!.
(خاص عروبة 22)

