بصمات

"المندبة" العربية.. على باب المندب!

ثمة أسماء للأماكن والمواقع لا تبدو مجرد أسماء، وربما لا تعبّر عن وصفها أو جغرافيّتها بقدر ما تعبّر عن قدرها وواقعها... وباب المندب واحد من تلك الأسماء.

المضيق الذي يفصل اليمن عن القرن الأفريقي، يحمل في اسمه كلمة عربية من جذر "ن د ب"، ويبدو اليوم وكأنّه يستدعي معنى النواح، والنائح هو الشخص الذي يكتفي بالبكاء والعويل في المصائب، ويبدو أنّه لا يملك غير نوحه. "الندّابة" هي التي تنوح على الميت. أمّا المندبة فهي مشاركة أكثر من نائح في فعل الندب.

وفي المصادر العربية القديمة نجد لـ"النَّدْب" معاني أخرى؛ منها الخطر والرهان، ومنها الدعوة إلى الأمر والتكليف به.

عربيًا، تحولت "المندبة" من معنى لغوي إلى حالة سياسية عربية. فكلما اقترب الخطر من باب المندب، ارتفعت أصوات التحذير، وبدأ البحث عن الأساطيل الأجنبية. وجرى استدعاء العالم كله كي يحمي الملاحة في بحار الأصل فيها أنها مياه عربية خالصة.

باب المندب ليس مجرّد مضيق وممر للسفن إنّه أحد مفاتيح الأمن العربي

يظهر السلاح دائمًا في الخلافات العربية البينية كحل سريع وسهل، بينما حين يكون التهديد إسرائيليًّا، على سبيل المثال، تكون الأولوية لضبط النفس والحلول السياسية والقانون الدولي وسجالات الأروقة في الأمم المتحدة.

احتكمت الأطراف المتنازعة في اليمن إلى السلاح فورًا، وتمادت في الاحتكام إليه حتى بات وكأنّه اللغة الوحيدة الصالحة للاستخدام.

غابت الحلول السياسية أو تمّ تغييبها، ووُضعت رهنًا لما يحققه السلاح، وليس إسكاتًا لصوت البنادق، وغابت المبادرات العربية، وتحوّل الشأن اليمني إلى خبر تقليدي عابر في نشرات الأخبار، حتى يظهر في عناوين تلك الأخبار باب المندب.

الأصل أنّ تلك البقعة الزرقاء الضيقة على الخريطة ليست مجرّد مضيق وممر للسفن. إنّه أحد مفاتيح الأمن العربي قبل أن يكون طريقًا سالكًا وسريعًا للتواصل التجاري بين شطرَيْ العالم القديم. أمن باب المندب لا ينفصل عن أمن قناة السويس، كما أنّ أمن البحر الأحمر لا يمكن فصله عن استقرار اليمن، واليمن المفتّت فيه تهديد بالغ الخطورة للعرب والعالم.

العالم كلّه يعرف هذه الحقيقة، بينما استمر العرب يتعاملون مع الملف اليمني باعتباره أزمة أمنية يمكن التعايش معها.

اليوم، تبدو المسألة أكثر خطورة. فخلال سبتمبر/أيلول الجاري، وسّع الحوثيون سيطرتهم على الساحل الغربي لليمن ووصلوا إلى مواقع استراتيجية عند مدخل باب المندب، بما في ذلك جزيرة ميّون، في قلب المضيق.

تحوّل اليمن إلى سؤال خاص يهمّ كل طرف في الإقليم والعالم، أسئلة تتعلق بالأمن والملاحة والتجارة، من دون انتباه للسؤال العام الذي يهم كل اليمنيين، الوطن الواحد الذي يجتمع تحت لوائه الجميع، ويساهم استقراره في الإجابة عن أسئلة الإقليم والعالم عن الأمن والملاحة والتجارة.

هل يمكن أن يكون لباب المندب مستقبل آمن من دون ارتباط ذلك بمستقبل اليمن وشعبه؟ وهل يكفي السلاح لضمان إبعاد الخطر عن الممر البحري، فيما فشل في توفير الأمن للمواطن اليمني، وحوّل حلمه بالدولة إلى كابوس من التفتّت الطائفي والقبلي والعسكري والجغرافي؟.

منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2011، وقت وُقّعت المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، وبدأ مسار انتقال سياسي بدعم خليجي وأممي، جاءت واحدة من أهم اللحظات التي كان يمكن أن تؤسّس ليمن جديد: "مؤتمر الحوار الوطني" الذي جمع مندوبين من مختلف المناطق والتيارات السياسية، وخرج في يناير/كانون الثاني 2014 بوثيقة وضعت أسس تصور لدولة يمنية اتحادية وديموقراطية، تقوم على الحكم الرشيد وسيادة القانون وحقوق الإنسان والمشاركة السياسية والمواطنة والحقوق المتساوية.

يجب بناء مشروع سياسي عربي متزن استراتيجيًّا

كان هذا هو الطريق الذي كان يمكن أن ينقذ اليمن. لكنّه لم يكتمل، حيث انهارت العملية الانتقالية أمام تصاعد المواجهة المسلحة، وتقاطع المشاريع الإقليمية والدولية.

الحلّ يبقى فقط في العودة إلى هذا المسار.

من حقّ السعودية أن تنظر إلى أمن حدودها باعتباره قضية وجودية. ومن حقّ مصر أن تسعى لضمان أمن قناة السويس. ومن حقّ العالم أن يطمئن إلى حرية الملاحة والتجارة.

لكن من حقّ اليمنيين أن ينتقلوا من مظلّة القبيلة والطائفة إلى لواء الدولة.

كل التجارب تؤكد أنّ الحل العسكري وحده لا يبني استقرارًا دائمًا في اليمن، وأنّ يمنًا مستقرًا هو فقط القادر على منح كل الأطراف حقوقها.

والوصول إلى تلك الأمنية يجب أن يتجاوز الإحساس بقدرية الحرب وكأنّها فعل لا نهائي، وبناء مشروع سياسي عربي متزن استراتيجيًّا، يبدأ بلجم المشاريع العسكرية كافّة، ووقف التصعيد في مرحلته الأولى عبر مسار تهدئة واضح، يفتح قنوات اتصال مباشرة وغير مباشرة بين الأطراف المتنازعة محليًا وإقليميًا، ويضع ترتيبات تمنع استهداف الأراضي والمنشآت المدنية، وتمنع تحويل الملاحة في البحر الأحمر إلى ورقة ضغط.

وفي مرحلته الثانية... الانتقال من الهدنة إلى الحل بفتح مسار يمني واسع يُعيد طرح السؤال الذي ضاع وسط الحرب: كيف يعيش اليمنيّون معًا ويستوعبون اختلافاتهم وتنوّعهم القبلي والطائفي والسياسي؟.

لا أحد يزعم إعادة اختراع العجلة... العودة إلى الفكرة الطبيعية البديهية: "دولة يمنية واحدة، ذات مؤسّسات وطنية، ونظام سياسي تشاركي، وإدارة عادلة للمناطق، وضمانات حقيقية للمشاركة، وحقوق للمواطنة المتساوية بعيدًا عن الإقصاء الطائفي والمناطقي والقبلي".

دولة تتّسع للجميع، ولكنّها لا تسمح بتحويل القبيلة أو المذهب أو المنطقة إلى دولة داخل الدولة.

باب المندب يحتاج إلى أصحاب قرار لا إلى نائحين

ومبادرة تبدأ بوقف التصعيد، ثم بفتح الطريق إلى تسوية يمنية شاملة، ثم بإعادة بناء الدولة ومؤسّساتها، وضمان المشاركة السياسية، ومعالجة القضية الجنوبية، وترتيب العلاقة بين المركز والأقاليم، وإعادة بناء الجيش والأمن على أساس وطني، ثم إطلاق مشروع عربي ودولي لإعادة إعمار اليمن.

ليكن لليمن حلّ عربي يقوم على وقف الحرب واستيعاب القوى اليمنية كافّة من دون انحياز، وتضييق دائرة التدخلات الخارجية. باب المندب يحتاج إلى أصحاب قرار لا إلى نائحين.

كان العرب قديمًا يعرفون أنّ للنَّدب معنى يتّصل بالنواح، وأنّ للندب معاني أخرى تتّصل بالخطر والدعوة والتكليف. واليوم يبدو أن باب المندب يجمع المعاني كلها. منها النواح ومنها الندب إلى التكليف... ولا مهمّة أعظم من وقف الحرب وبناء دولة للجميع لا تُقصي طرفًا ولا تمنح صكّ الهيمنة لطرف.

لا خيارات كثيرة أمام العرب في باب المندب... إمّا أن تكون المندبة تكليفًا وإنجازًا أو يستمر النّواح!.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن