تمّ رصد ما يقارب 598 واقعة عنف ضدّ النساء في مصر، خلال النصف الأول من عام 2026 بزيادة تفوق 20 في المئة عن الفترة المقابلة من العام السابق، من بينها 118 جريمة قتل بزيادة قاربت النسبة ذاتها. واللافت في هذه البيانات ليس حجمها فحسب، بل توزيعها: من أصل 80 جريمة قتل وقعت داخل السياق الأسري، تصدّر الأزواج قائمة الجناة بواقع 35 جريمة، تلاهم الآباء بعشر (10) جرائم، وهو ما يُشير إلى أن الجاني في الغالب الأعمّ شخص من دائرة القرابة المباشرة، وليس طرفًا خارجيًّا عارضًا.
لم تنجح المنصات الرقمية في سدّ الفجوة بين توثيق الجريمة والحماية منها
بطبيعة الحال، لا يمكن قراءة هذه الأرقام بمعزلٍ عن سؤال مصدرها ومنهجية جمعها، وهي في غالبيّتها بيانات صادرة عن مؤسّسات حقوقية ومنصّات رصد مستقلة، وليست إحصاءات رسمية شاملة، وهو ما يستدعي حذرًا منهجيًّا معتادًا في التعامل مع هذا النوع من البيانات، من دون أن ينفي ذلك دلالتها العامّة على اتساع الظاهرة وتكرار نمطها.
في هذا السياق، تحوّلت المنصّات الرقمية خلال السنوات الأخيرة إلى أداة رصد وإعلان لهذا النوع من الحوادث، ما أكسبها انتشارًا واهتمامًا من الرأي العام، غير أن هذا الحضور الرقمي المكثّف يحمل في طيّاته إشكاليّةً لا يجوز إغفالها عند التقييم: فثمّة فارق جوهري بين الظهور الإعلامي والتغيير المؤسّسي. إذ إنّ الخوارزميات، بطبيعة تصميمها، تفضّل اللحظة الصّادمة والمحتوى القصير على المتابعة الممتدّة لمسار قضية بعد أسابيع من وقوعها، وهو ما يفسّر كيف يتصدّر بعض الجرائم النقاش العام ليوم أو يومين، ثم تختفي تلك الجرائم كليًا من دائرة الاهتمام، بينما يستمرّ مسار العدالة، إن استمرّ أصلًا، بمعزل تام عن ذلك الزخم العابر.
بعبارة أخرى، نجحت المنصّات الرقمية في كشف حجم الظاهرة وتوثيقها بشكلٍ غير مسبوقٍ مقارنةً بعقود سابقة، لكنّها لم تنجح بمفردها بعد في سدّ الفجوة بين توثيق الجريمة والحماية منها قبل وقوعها.
إطار عقابي عام لم يُصمّم لمعالجة خصوصيّة العنف الأسري
يستدعي هذا الملف كذلك تدقيقًا في مسألة يتكرّر تناولها على نحو مبسّط أكثر ممّا ينبغي، وهي القول بغياب أي أثر قانوني للعنف الأسري في مصر. الدقيق، بحسب المعطيات المُتاحة، أنّ الأمر أكثر تعقيدًا من نفي مطلق أو إثبات مطلق. فقانون العقوبات المصري، الصادر أصلًا عام 1937، يتضمّن مواد متفرّقة تجرّم أفعالًا تندرج ضمن نطاق العنف الأسري، من قبيل الضرب والإيذاء وجرائم التحرّش الجنسي التي جُرّمت صراحة عام 2014. غير أن هذه النصوص تظلّ متناثرةً داخل إطار عقابي عام لم يُصمّم أصلًا لمعالجة خصوصيّة العنف الأسري بوصفه ظاهرة قائمة بذاتها.
أما على صعيد قانون مستقل وشامل لمناهضة العنف الأسري، بما يتضمّنه عادةً من أوامر إبعاد فورية وآليّات إبلاغ آمنة وملاجئ طارئة وتعريف قانوني واضح للجريمة، فقد طُرحت له عبر السنوات أكثر من صياغة، من مركز النّديم لعلاج ضحايا العنف والتعذيب إلى المجلس القومي للمرأة، من دون أن يخرج أي منها إلى حيّز النفاذ الفعلي حتى تاريخه.
يجب أن يتحوّل الزخم المجتمعي إلى ضغط تشريعي يُفضي إلى إقرار إطار قانوني متكامل يحمي المرأة والأسرة
والمستجدّ الأحدث في هذا الملف هو مشروع قانون الأسرة الذي وافق عليه مجلس الوزراء المصري في أبريل/نيسان 2026 وأحاله إلى مجلس النواب، ويوصف بأنّه الأشمل في تاريخ تشريعات الأحوال الشخصية منذ أكثر من قرن. بيد أنّ جوهر هذا المشروع، بحسب ما هو متاح من معطيات، يتمحور حول تنظيم الزواج والطلاق والحضانة والنفقة واستقرار الأسرة، وليس حول العنف الأسري تحديدًا بوصفه جريمة مستقلة تستوجب آليّات حماية استباقية، وإن كان يستند من حيث المبدأ العام إلى نصوص دستورية تُلزم الدولة بحماية المرأة والطفل من مختلف أشكال العنف.
المؤسف أن تغييرًا كيفيًّا لصالح المرأة المصرية يبدو غير منظور في تقديرنا، طالما ظلّت الاستجابة الرسمية استجابة لحظية تعقب موجات الغضب الرقمي، وطالما بقي مشروع قانون العنف الأسري المستقلّ حبيس أدراج النقاش منذ سنوات، فمن المرجح أن يستمرّ هذا النمط بالوتيرة ذاتها تقريبًا في الأعوام المقبلة إذا لم يتحوّل الزخم المجتمعي المتجدّد إلى ضغط تشريعي مُستدام يُفضي إلى إقرار إطار قانوني متكامل يحمي المرأة والأسرة معًا!.
(خاص عروبة 22)

