بصمات

الوصية في موروثنا التربوي: نحو استعادة أسلوب تربوي منسي!

تنتظم في العادة الأنظمة التربوية ضمن مرتكزات ثلاثة، هي: الفلسفة والمناهج والغايات. ومقصود الأولى طبيعة الرؤية التي تنطلق منها الأنظمة التربوية: هل هي روحية لطيفة، أم مادية كثيفة، أم تركيب بينهما؟ وأمّا المناهج، فترسم الأساليب التربوية وطرق تنزيل القيم على ذات المتعلّم، بينما الغايات تُنير الدروب نحو المثال التعليمي والخلقي الذي يُراد تكوينه من خلف هذه المحدّدات.

الوصية في موروثنا التربوي: نحو استعادة أسلوب تربوي منسي!

على الرغم من الاجتهادات الوافرة في مسائل التربية تنظيرًا وتطبيقًا، إلا أنّ ثمّة بُعدًا قويمًا أضحى نسيًا منسيًّا، اختص به التراث المعرفي الإسلامي، وهو "أسلوب الوصية"، باعتبارها خلاصة التجربة في كيفية بلوغ المقاصد المطلوبة في العلم وفي العمل، والميزة اللّافتة للوصية أنّها ليست نتاج التفكير المنفصل عن المكابدة والمعاناة، بل هي مشتقّة من صميم القواعد الصّحيحة والحقيقية التي واجهت الأخلاقيّين الكبار في مكابداتهم السُّلوكية، وسعيهم الارتقائي، حيث اقتدروا بواسطتها أن يتحقَّقوا بأسمى الفضائل الفكرية والخلقية والمدنية، وبالتالي، فإنّه حقيقٌ علينا إعادة الاعتبار لهذا الخط التربوي المنسي، وتحويله إلى قواعد في السير نحو الفضائل.

الوصية ليست إلا القيم وقد تجلّت في السلوك والتوجيه

وإذ تبيَّنت هذه المقدّمة، فإننا نصرف سعينا إلى الاستفهام عن علل هذا النسيان لهذا الصنف من الأساليب التربوية الهامّة جدًا. ويبدو في طليعة هذه العلل:

- الطابع الأمري الوارد في هذه الوصايا:

ذلك أنّ تلك النصوص تتوارد فيها كلمات الأمر دومًا: ويجب عليك... وينبغي لمَن أراد بلوغ... اعلم أنّه لن تبلغ الغايات إلّا بكذا وكذا... حيث تكاد تكون النسيج الكلي للنصّ، ومعلوم أنّ ثمة قلقًا دومًا في خطابات التربية المعاصرة من هذه الصيغ في التخاطب والتواصل مع المتلقّي، فهي أمْيَل إلى التوجيه والتلطّف منها إلى الأمر والإيجاب.

- الاعتقاد بخلوّها من التجارب لاستخلاص القواعد التربوية

وهذا الأمر أيضًا بارز جدًا، فالتربية المعاصرة هي أمْيَل إلى تطوير المقاييس التربوية والتجارب المخبرية وفق خصوصيّة العلوم الإنسانية والاجتماعية، ويتضمّن هذا الإقرار داخله: رفض الكتابات التربوية التي لا نشتقّها من الدراسات الميدانية، ومثالها أسلوب الوصية في البناء التربوي: فكرًا وسلوكًا.

- أنها مُشبعة بالقيم: تأسيسًا وتوجيهًا

وذلك أنّ منطلقات التربية المعاصرة، بخاصّةٍ السّائدة منها، ترى أن العلاقة بين المعرفة بعامّة والتربوية منها بخاصّة، من اللّازم أن تنفصل عن القيم التوجيهية، فالحيادية القيمية هي من سمات المنهج التربوي، في حين أن الوصية ليست إلّا القيم وقد تجلَّت في السُّلوك والتَّوجيه.

وأمّا هذه العلل المعرفيّة التي تتحكّم في الأنظمة التربوية المعاصرة، فإنّ المدخل إلى إعادة التداول للوصية ضمن آفاق التربية الجديدة، إنّما هو الاعتراض عليها ومكاشفة أسبابها، والإبانة عن نسبيّتها، وأنّها نتاج رؤية معيّنة لفلسفة الحداثة في الإنسان، الذي تراه كائنًا يحتاج إلى تنمية قواه العقلية والجسمية والسلوكية، ولا تبصر فيه أي إشارات إلى معانٍ روحية أو إنسانية.

تشرَّبنا المنظور المعرفي الغربي في لاشعورنا الفكري والتعليمي

وتطبيق هذا الاعتراض يظهر في هشاشة وصف الوصية بالطابع الأمري، فإذا كان الطابع الأمري ظاهرًا في الوصية وبلا حُجب، فإنَّه في العقل الحداثي لا يظهر بلغة مباشرة، فالقول بالحياد القيمي ليس مجرّد مقولة وصفيّة، بل إنّ أصله هو: عليك أن تفصل القيم وتقوم بتحييدها عن التربية، وبالتالي، فظاهرها التلطُّف، بينما باطنها الإلزام.

وأمّا القول بخلوّها من التَّجارب، فهذا أيضًا نقد لا يستند إلى أساس متين، فالأحرى أنَّ الوصية إن لم تكن ثمرة التجربة والمكابدة والجهاد النفسي، فمن أين أتت إذن؟ إنها ثمرة التَّعمُّل والتخلُّق، والأقوى من هذا أن التجربة السلوكية هي الباعث على إظهار القيم وتجلّيها أو تغيير الذّات وترتيب سلوكها.

هكذا إذن تبدو لنا الأسباب التي حالت بيننا وبين تطوير الوصية كأسلوب تربوي متين، إنّها أسباب في المعرفة، أي تشرَّبنا المنظور المعرفي الغربي في لاشعورنا الفكري والتعليمي، الذي يفصل بين المعرفة والقيمة ويشتقّ مفاهيمه من التجارب المادّية ويجعل من غاية التربية تنمية القوى الحيوية في الذّات، لأجل هذا، فإنّه حريّ بنا سوق نماذج شاهدة على القيمة الحيّة للوصية، ويكون على أهل التربية مسؤولية استخراجها وقراءتها وتطوير قواعدها التربوية، تمهيدًا لبثّها في العقول وفي النفوس. ومن هذه النماذج نذكر:

- رسالة المسترشدين لأبي الحارث المحاسبي (نحو 170–243هـ / 781–857م): وتضمّنت قواعد إيمانية توجيهية، خلاصتها كما يقول: "وكن وصي نفسك، ولا تجعل الرجال أوصياءك، واعقل أمرك، وتيقّظ من سنتك، فإنك مسؤول عن عمرك".

- النصيحة الولدية لأبي الوليد الباجي (403–474هـ / 1013–1082م): في رسم معالم التعلم وتهذيب النفس، وتقدير العلماء، وتنظيم الوقت، واختيار ما ينفع، والعبور من المعرفة إلى الحكمة والصلاح، وشرح العلوم الجديرة بالاقتناء.

- أيها الولد المحبّ لأبي حامد الغزالي (450–505هـ / 1058–1111م): وهي خلاصة الطريق نحو المعاني والمقاصد الحقيقية لمَن رام طلب العلم الموصل إلى النجاة في الدنيا والفوز في الآخرة.

- لفتة الكبد إلى نصيحة الولد لابن الجوزي (510–597هـ / 1116–1201م): وهي وصية تختصر الطريق في العلاقة مع الناس، وفي طلب الأشياء الجديرة في الحياة، وفيها تعداد لمنهج اليوم في طلب العلم، وتوجيه دائم نحو مراتب الأمور الرفيعة في الأخلاق والعلم.

- الوصايا لابن عربي (560–638هـ / 1165–1240م): وهي رسالة جمّة الفوائد، فيها توجيه نحو قيمة التقوى، وأهمية إصلاح الباطن قبل الظاهر، والربط بين العبودية والحرية، وكذا حسن الخلق مع الخلق.

التربية والتعليم من الجدير أن يكونا متجذّريْن كي يكونا مثمريْن

وإنّه ليبدو أنّ هذه الوصايا حاوية على التوجّهات الحقيقيّة بالاتباع، فثمراتها خُيور كلّها في الدنيا وفي الآخرة، وهي من الكتب التي تركت أثرًا جليًّا على الناس في كيفيّات سلوكهم وترتيبهم. وعاجل المطلوب أمامنا اليوم هو قيام فرق بحثيّة جامعيّة وغير جامعيّة، لأجل المفاتشة عن هذه النصوص وتنظيمها وتحريرها من سياقاتها اللغوية والمرحلية، نحو أفق التجديد والإبداع، بخاصةٍ أنّ التربية والتعليم من الجدير أن يكونا متجذّريْن، كي يكونا مثمريْن.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن