مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي: النفط الجديد الذي يلوح أمام العرب!

على الرغم من كلّ الأزمات والمخاطر المحدقة بالمنطقة العربية ثمّة أنباء إيجابية تبشّر بتحوّل المنطقة إلى مركز عالمي لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.

مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي: النفط الجديد الذي يلوح أمام العرب!

مراكز البيانات المستخدمة للذكاء الاصطناعي، هي منشآت مصمّمة لاستضافة وتشغيل أعباء العمل الحاسوبية المكثّفة الخاصة بتدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة، وتتميّز ببنية تحتية متقدمة تشمل معالِجات تسريع وشبكات عالية السرعة، وأنظمة تخزين وطاقة وتبريد متطوّرة.

ويشهد الشرق الأوسط نموًّا سريعًا في هذا المجال، فمن المتوقع أن تتضاعف السعة الإقليمية ثلاث مرات، من 1 غيغاواط في عام 2025 إلى 3.3 غيغاواط خلال السنوات الخمس المقبلة، بحيث يمكن أن تصل حصة المنطقة المحتملة من 5 إلى 10 % من معالِجات الرسومات الجديدة (GPU) العالمية.

موقع استراتيجي للعالم العربي وأهم كابلات الإنترنت العالمية تمرّ عبر مياهه

ويتحقّق ذلك بفضل مزيج من العوامل السياسية والاقتصادية أولها سعي العديد من الحكومات العربية للحاق بركب ثورة الذكاء الاصطناعي والمنافسة الأميركية - الصينية إضافةً إلى العوامل الجغرافية والجيولوجية، أولها وفرة مصادر الطاقة التقليدية والمتجدّدة، خاصّة الطاقة الشمسية، في ظلّ حاجة مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي إلى طاقة هائلة وموثوقة.

كما يتمتّع العالم العربي بميزات أخرى منها الأراضي الفضاء والموارد المالية، مع القدرة على اتخاذ قرارات مركزية وإجراءات أسهل وأسرع في بعض الدول من أوروبا وأميركا، وكذلك تكاليف تأجير أقلّ بنحو 50% مقارنةً بالمتوسط العالمي، وانخفاض الضرائب.

والأهم، الموقع الاستراتيجي للعالم العربي، فالشرق الأوسط قريب من مستهلكين عددهم نحو 3 مليارات نسمة في أوروبا وآسيا وأفريقيا، لهذا فهو ملائم لخدمات الاستدلال غير الحسّاسة جدًا للزمن، كما أنه عبر مياه العالم العربي تمرّ أهم كابلات الإنترنت العالمية.

ويذكر تقرير لمركز البيانات العالمي أنّ هناك أكثر من 100 مليار دولار أميركي استثمارات مخصّصة للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات في منطقة الخليج وشمال أفريقيا وأسواق مختارة في أفريقيا.

ضرورة تحقيق السيادة الإلكترونية وبناء قدرات حوسبة محلية لتدريب وتشغيل نماذج عربية للذكاء الاصطناعي

وفي هذا الإطار، تبرز خطط دول عربية عدّة بعضها بدأ يدخل حيّز التنفيذ. فالسعودية تتبنّى خطةً واسعةً لبناء بنية تحتية ضخمة لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، وفي قلبها شركة "HUMAIN" التابعة لصندوق الاستثمارات العامّة السعودي، وفي مايو/أيار 2025 أعلنت ""HUMAIN مع "NVIDIA" برنامجًا لبناء مراكز بيانات ذكاء اصطناعي تصل قدرتها إلى 500 ميغاواط خلال خمس سنوات، مدعومة بـ"مئات الآلاف من وحدات GPU"، كما تعمل HUMAIN على بناء منظومة متكاملة تشمل مراكز البيانات والحوسبة السحابية والنماذج والتطبيقات، مع شركات مثل "NVIDIA" وَ"AMD" وَ"Microsoft" وَ"Google" وَ"Groq" وغيرها. وتوجد أيضًا خطة لتوطين صناعة معدّات مراكز البيانات.

وأكبر مشروع معلن في السعودية من حيث الطّاقة هو مجمع "DataVolt" في مدينة "أوكساغون" ضمن "نيوم".

كما لدى الإمارات مشروع حرم ذكاء اصطناعي بقدرة مستهدفة 5 غيغاواط كجزء من خطط لإنشاء مركز بيانات أكبر يمتدّ على مساحة 10 أميال مربعة.

وتخطّط مصر لإنشاء أول مركز واسع النطاق للبيانات مخصص للذكاء الاصطناعي في البلاد، بقدرة مستهدفة تبلغ 200 ميغاواط وسط منافسة صينية - أميركية على الفوز بالمشروع.

ويحرز المغرب تقدّمًا في تنفيذ خطط مراكز البيانات  تعمل بالطاقة المتجدّدة بسعة 500 ميغاواط مستفيدًا من فائض الطاقة المتجدّدة وقربها من أوروبا وتكلفتها التنافسية ما يؤهل المغرب كمركز تصدير للذكاء الاصطناعي.

يمكن التخفيف من مخاطر المُسيّرات والصواريخ من خلال بناء جدران حماية

وتستفيد الدول العربية من هذه المراكز عبر تشغيل العمالة وتوسيع وعاء الاقتصاد والاستفادة من تأجير واستملاك هذه المراكز للشركات العالمية الكبرى، وكذلك الاستفادة من توطين التكنولوجيا وتعزيز البنية التحتية الرقمية المحلية وتحقيق السيادة الإلكترونية وبناء قدرات حوسبة محلية لتدريب وتشغيل نماذج عربية للذكاء الاصطناعي وتقليل الاعتماد على السحابات الأجنبية للبيانات الحساسة ودعم التحول الرقمي، وتطوير منظومة تقنية محلية (شركات ناشئة، مواهب، أبحاث).

التحديات 

تتعدّد التحديات أمام هذا الطموح العربي وأبرزها المنافسة الأميركية - الصينية والتي تُعدّ تحدّيًا وميزة في الوقت عينه، لأنّها تحسّن أوراق التفاوض العربية بينما قد تسيّس مسألة تقنية واقتصادية بالأساس وتمسّ التوازن الدقيق الذي نجحت أغلب الدول العربية في خلقه بين بكين وواشنطن.

وهناك تحدّيات مرتبطة بمناخ المنطقة الحار والجاف، في ظلّ حاجة مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي لأنظمة تبريد مكثّفة، كثيرٌ منها يحتاج إلى المياه الشحيحة أصلًا في المنطقة، إذ يمكن لمركز بيانات بقدرة ميغاواط واحد، يعتمد على التبريد المائي، أن يستهلك نحو 25.5 مليون لتر مياه سنويًا، أي ما يُعادل تقريبًا الاستهلاك اليومي لـ300 ألف شخص.

لكن يتمّ التغلب على هذه المشكلة بتقنيات تبريد متقدّمة (سائلة أو هجينة)، كما تُصمَّم معظم مجمّعات الذكاء الاصطناعي الجديدة في الخليج حول مصادر غير المياه العذبة، أو تستخدم نظم تبريد تعتمد على مياه الصرف الصحي المعالجة.

المنافسة بين الدول العربية لجذب الشركات العالمية قد تضعف قوة المفاوضين العرب

وتبرز النزاعات في منطقة الخليج كتهديد كبير لهذه المشروعات، ولكن يمكن التخفيف من مخاطر المُسيّرات والصواريخ من خلال بناء جدران حماية والتي قد تزيد التكلفة بنسبة تتراوح ما بين 5% و7%، حسب تقديرات شركة أنظمة الأمن المتكاملة (ISS).

أحد التحدّيات أيضًا أنّ المنافسة بين الدول العربية لجذب الشركات العالمية قد تضعف قوة المفاوضين العرب. ولذا فإنّ الحد الأدنى من التنسيق مع خلق نظام بيئي للذكاء الاصطناعي في المنطقة يعزّز مكاسب الجميع ويقلّل التكاليف، لا سيما لو تعزّز ذلك بالتعاون في مجالات البحث العلمي والتدريب مع التكامل بين الدول العربية التي تمتلك الاستثمارات والطاقة، مثل دول الخليج، مع الدول العربية التي تمتلك العنصر البشري الكثيف، مثل مصر والمغرب، وقد يتطلّب ذلك دورًا للجامعة العربية ومنظّماتها المتخصّصة في البحث العلمي ووضع استراتيجيّات عربية للذكاء الاصطناعي وأطر عربية قانونية وأخلاقية لتنظيمه حتى لو استرشادية، وكذلك بناء نماذج ذكاء اصطناعي عربية تكون ملائمةً للذوق والاحتياجات العربية العامة.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن