بصمات

تاريخ جدليّات الفكر!

فـي مـواجـهـة الـنّـظـرة الـعـدمـيّـة الإنـكـاريّـة إلـى تـاريـخ الـفـكـر الـمـعـاصـر، دَعَـوْنـا إلـى تـحـريـر الـنّـظـر إلـى فـكـرنـا مـن آثـارهـا الـسّـيّـئـة فـيـه فـي غـيـرِ مـنـاسـبـةٍ مـن الـمـنـاسـبـات الـتـي تـنـاولـنـا فـيـهـا الـمـوضوع. وفـي الـحـقّ أنّ جـهـالَـة الـقـراءات الـعـدمـيّـة بـالـفـكـر الـعـربـيّ، مـن جـهـة، وبـمـنـاهـج الـنّـظـر إلـى تـاريـخ الـفـكـر، مـن جـهـةٍ ثـانـيـة، تـفـرض الإعـراضَ عـنـهـا إعـراضـًا كـلّـيًّـا فـي أيّ مـسـعًـى مـعـرفـيٍّ إلـى إعـادة كـتـابـة تـاريـخ الـفـكـر الـعـربـيّ الـمُـعـاصـر وتـاريـخ تـيّـار الـحـداثـة فـيـه، مـنـذ جـراثـيـمـه الأولـى (الإصـلاحـيّـة والـنّـهـضـويّـة) حـتّـى الـيـوم، بـمـقـدارٍ مـن الـنّـزاهـة والـمـوضوعـيّـة أكـبـر.

تاريخ جدليّات الفكر!

لـقـد خـيـض فـي هـذا الـمـسـعـى وما يـزال يُـخـاضُ فـيـه، مـن مـواقـع مـنـهـجـيّـة مـخـتـلـفـة، وحـاجـتـنـا شـديـدة إلـى إحـراز مـزيـدٍ مـن مـكـتـسـبـات الـدّرس الـعـلـمـيّ فـي هـذا الـمـيـدان.

عـلى أنّ كـتـابـةً صـحـيـحـةً لـتـاريـخ هـواجـس الـحـداثـة وتـعـبـيـراتـهـا فـي الـفـكـر الـعـربـيّ الـمُـعـاصـر، مـنـذ الـبـواكـيـر حـتّـى الـيـوم، مـدعـوّةٌ إلـى أن تـتـفـادى الـوقـوع فـي مـطـبَّـيْـن اثـنـيْـن يُـفْـقـدانِـهـا مـوضـوعـيّـتَـهـا وقـيـمـتَـهـا: فـي مـطـبّ الانـجـرار إلـى تـلـمـيـع الـحـداثـة ومـقـالاتـهـا (= خـطـابـاتـهـا) عـنـد تـسـلـيـط الـضّـوء عـلـيـهـا وتـقـفّـي تـمـظـهُـراتـهـا فـي ذلك الـفـكـر؛ ومـطـبّ الانـغـلاق عـلـيـهـا وحـدهـا، مـن دون سـواهـا مـن تـعـبـيـرات الـفـكـر الأخـرى الـمـخـالِـفـة، والانـسـيـاق نـحـو انـتـقـائـيّـةٍ تـبـتـسـر كـلّـيّـةَ الـفـكـر ولا تـسمـح بـتـأْريـخٍ شـافٍ لـه. إنّ لـكـلّ مـن هـذَيْـن الـمـنـزعَـيْـن (= الـتّـلـمـيـع والانـتـقـائـيّـة) أثـرًا عـكـسـيًّا على كـلّ تـاريـخ الـفـكـر لأنّـهـمـا يـقـودان الـتّـفـكـيـر إلـى سـلـوك سـبُـلٍ إيـديـولـوجـيّـة - لا مـعـرفـيّـة - إلـى الـمـوضـوع الـمـدروس فـيُـمـدِّدان بـذلـك مـعـرفـتـنـا الـمـغـلوطـة بـتـاريـخ ذلـك الـفـكـر، جـمـلـةً، وتـاريـخ فـكـرة الـحـداثـة فـيـه عـلى وجْـهٍ خـاص.

على أي تأريخ للحداثة في الفكر العربي المعاصر أن يستصحب معه تأريخًا للتقليد وتياراته في ذلك الفكر

يـؤدّيـنـا الـتّـحـفّـظ السّـابـق عـلى الـقـراءات الـدّائـرة عـلى الانـتـقـائـيّـة والـتّـلـمـيـع إلـى الـتّـشـديـد عـلى حـاجـتـنـا إلـى تـاريـخٍ كـلّـيٍّ وشـامـلٍ للـفـكـر الـعـربـيّ الـمُـعـاصـر يـسـتـوعـب مـجـمـوع كـيـان ذلـك الـفـكـر، مـن غـيـر مـيْـلٍ إلـى طـمـس لـحـظـةٍ أو تـيّـارٍ مـنـه وإقـصـائـه، ومـن غـيـرِ اخـتـزالٍ لـكـلّـيّـتـه فـي جـزءٍ مـنـه بـعـيـنـه. عـلى أنّ الـحـامـل عـلى هـذه الـحـاجـة الـمـعـرفـيّـة لـيـس قِـيـمـيًّـا فـحـسـب (تـحـقـيـق الـعـدالـة والإنـصـاف فـي الـنّـظـر إلـى تـيّـارات الـفـكـر الـعـربـيّ وتـاريـخـهـا)، بـل هـو - إلـى جـانـب ذلـك - مـعـرفـيٌّ ومـنـهـجـيّ. بـيـان ذلـك أنّ أيّ تـيّـارٍ فـي الـفـكـر - أيّ فـكـر - لا يـنـمـو ويـتـعـاظـم إنـتـاجـًا فـي سـيـاق تـاريـخٍ خـاصٍّ بـه ومـسـتـقـلّ، فـقـط، بـل هـو يـنـشـأ ويـتـطـوّر فـي سـيـاقٍ عـلائـقـيٍّ يـنْـشـدُّ فـيـه بـصـلات الاتّـصـال والاشـتـبـاك مـع غـيـره مـن الـتّـيـارات الـمُـنـتـمـيـة إلـى الـفـكـر عـيـنِـه. مـعـنـى ذلـك أنّ جـدلـيّـات الـعـلاقـة بـيـن تـيّـارات الـفـكـر، بـمـا قـد يـكـتـنـفـهـا مـن أبـعـادٍ صـراعـيّـةٍ، تُـمـثّـل جـزءًا لا يـتـجـزّأ مـن نـظـامِ تـكـويـن كـلّ تـيّـار ولـيـسـت مـعـطًـى عـارضـًا فـيـه. لـذلك، لا تـاريـخ - عـلى الـحـقـيـقـة - يـمـكـن مـن دون كتابة تـاريـخ تـلك الـعـلاقـات الـتي تُـنْـتَـسج بـيـن تـيّـارات الـفـكـر كـافّـة داخـل ثـقـافـةٍ ما.

هـكـذا سـيـكـون عـلى أيّ تـأْريـخٍ للـحـداثـة فـي الـفـكـر الـعـربـيّ الـمُـعـاصـر أن يـسـتـصـحـب مـعـه تـأريـخـًا للـتّـقـلـيـد وتـيّـاراتـه فـي ذلـك الـفـكـر، فـي الـوقـت عـيـنِـه، للـسّـبـب الـذي سـبـق الإلـمـاحُ إلـيـه (تـشـابُـك الـعـلاقـة بـيـن تـيّـارات الـفـكـر، خـاصّـةً تـلك الـتي تـقـوم بـيـنـهـا عـلاقـاتٌ صـراعـيّـة). الـتّـقـلـيـد، فـي هـذه الـحـال، لـيـس مُـحـايـدًا ولا مـجـرَّد مـقـابـلٍ لـتـيّـار الـحـداثـة، بـل هـو داخـلٌ فـي صـلات تـضـادّ؛ والـحـداثـةُ إذ تـكـتـب تـاريـخـهـا، تـكـتـب مـعـه - بالـمـوازاة - صـلاتـهـا بـالـتّـقـلـيـد مـن حـيـث هـو يـبـدو فـي صـورتَـيْـن:

بـمـا هـو عـائـقٌ للـحـداثـة كـابـحٌ لـمـجْـراهـا؛ خـاصّـةً حـيـنـمـا يـكـون صـوتـه أعـلـى، ونـصـوصـه أوفـر، وجـمـهـوره أكـثـر، وسـلـطـانُه فـي الـعـقـول والـذّهـنـيّـات أنـفـذ كـمـا هـي حـاله في الفـكـر العـربـيّ المـعـاصـر فـعـلًا. لا سـبـيـل إلـى تـجـاهُـل خـطـاب الحـداثـة نـقـيـضَه (= خـطـاب الـتّـقـلـيـد) لأنّـه لا يـزاحـمُـه عـلى سـاحِ الـفـكـر، فـقـط، بـل يـسـعـى في سـدّ الـمـنـافـذ عـلـيـه حـتى لا يـبـقـى غـيـره سـيّـدًا عـلى الـوعـي الـعـام أيـضـًا؛

لن تستوي حداثة إلا متى خرجت عن نظام التقليد المعرفي

ثـمّ مـن حـيـث إنّ الـتّـقـلـيـد مـوضـوعُ تـحـريـر الـحـداثـة نـفـسـهـا بـنـفـسِـهـا؛ إذ هـي مـمـتـنـعـةُ الـوجـود مـن دون تـحـريـر نـظـامـهـا الـفـكـريّ مـن آثـار الـتّـقـلـيـد وقـيـمـه فـيـه. ومـعـنـى ذلـك أنّ مُـسـلّـمـات الـحـداثـة مـنـفـصـلـة، تـمـامـًا، عـن مُـسـلّـمـات الـتّـقـلـيـد ولـيـسـت تـعـديـلًا لـهـا أو تـصـويـبـًا وأنّ اسـتـقـلالـهـا بـنـفـسِـهـا، مـن حـيـث هــي مـنـظـومـة، وقْـفٌ عـلى تـحـرُّرهـا مـن أيّ سـلـطـةٍ للـتّـقـلـيـد فـي مـيـدان الأفـكـار والـمـعـارض.

نـدرك أنّ الـحـداثـة لا تَـقـوى عـلى شـطـب الـتّـقـلـيـد أو إزاحـتِـه، أو حـتّى تـعـطـيـل سـلـطـانـه الـمـعـرفـيّ عـلى صـعـيـد الـذّهـنـيّـة الـعـامّـة، خـاصّـةً حـيـن يـكـون مـنـغـرسَ الـجـذور فـي تـاريـخ مـجـتـمـع وثـقـافـة، مـثـلـمـا هـي حـالُـه عـنـدنـا؛ ونـدرك أنّـهـا تـجـد نـفـسَـهـا مـضـطـرَّةً للـعـيـش مـعـه تـحـت سـقـفٍ اجـتـمـاعـيٍّ وثـقـافـيٍّ واحـد، ولـكـنّـهـا أبـدًا لـن تـسـتـويَ حـداثـةً إلّا مـتـى خـرجـت عـن نـظـامـه الـمـعـرفـيّ خـروجًا كـلـيًّـا واسـتـقـلّـت عـنـه بـنـظـامٍ مـوازٍ.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن