كان موشيه شاريت، أوّل وزير خارجية لإسرائيل ورئيس وزرائها الثاني بين عامَيْ 1954 و1955، من أبرز الشخصيات التي أسهمت في بناء الديبلوماسية الإسرائيلية. وقد اختلف عن بن غوريون في نظرته إلى إدارة الصراع مع العرب؛ فبينما اعتبر الأخير التفوّق العسكري والرّدع المستمر أساسًا لحماية الدولة، رأى شاريت أنّ القوة وحدها لا تكفي، وأنّ بقاء إسرائيل يتطلّب شبكةً من العلاقات الدولية، والقدرة على التفاوض، وتجنّبَ المواجهات التي قد تعرّضها للعزلة السياسية.
أراد أن يحمي إسرائيل بالسلاح والديبلوماسية
غير أنّ هذا الاختلاف لم يكن خلافًا حول جوهر المشروع الصهيوني، وإنّما حول الوسائل الأقدر على تثبيته. فكلا الرجلين انطلق من ضرورة المحافظة على الدولة التي قامت عام 1948، ولم يكن شاريت صاحب مشروع يُعيد الحقوق الوطنية للفلسطينيين أو يعترف بحقّهم في إقامة دولة مستقلة. فقد أراد بن غوريون أن يحمي الدولة بالسلاح، بينما أراد شاريت أن يحميها بالسلاح والديبلوماسية معًا.
ديبلوماسية فوق أنقاض النكبة
تولّى شاريت رئاسة الحكومة في مرحلةٍ كانت فيها إسرائيل قد خرجت من حرب 1948 منتصرةً عسكريًا، بينما خرج مئات الآلاف من الفلسطينيين من وطنهم لاجئين، وفقدوا بيوتهم وأراضيهم ومصادر رزقهم.
وكانت اتفاقيّات الهدنة قد أوقفت القتال الواسع، لكنّها لم تُنهِ الصراع، لأنّ القضية لم تكن مجرّد خلاف على الحدود، بل كانت قضية شعب اقتُلع من أرضه، وأصبح مطالبًا بالتعايش مع نتائج حربٍ حرمته من حقوقه الأساسية.
أدرك شاريت أنّ قضية اللاجئين تمثّل عبئًا سياسيًا وديبلوماسيًا على إسرائيل، لكنّه لم يقدّم مشروعًا شاملًا لإعادتهم أو لمعالجة جذور مأساة تهجيرهم. فقد ظلّت المحافظة على الطابع اليهودي للدولة أولويةً تتقدّم على المطالب الفلسطينية. ومن هنا ظهرت حدود ديبلوماسيّته؛ فقد سعى إلى تخفيف التوتّر مع الدول العربية، من دون أن يقترن ذلك باستعداد مماثل لتغيير الواقع الذي كان سببًا رئيسيًا في استمرار الصراع.
وهذه إحدى أخطر آليّات تحويل الجريمة التاريخيّة إلى أمر واقع؛ إذ تتحوّل المأساة الإنسانية تدريجيًا إلى ملف تفاوضي، وتصبح حقوق الضحايا مشكلةً سياسيةً ينبغي إدارتها، بدلًا من أن تكون مظلمةً تستوجب الإنصاف.
وقد كشفت مذبحة قرية قبية في الضفة الغربية التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية في أكتوبر/تشرين الأول 1953 عن التناقض العميق بين منطق القوة ومتطلّبات الديبلوماسية. فقد أسفرت العملية عن مقتل عشرات الفلسطينيين، وأثارت إدانات دولية، وأظهرت أنّ سياسة العمليات الانتقامية قادرة على إلحاق أضرار كبيرة بصورة إسرائيل الخارجية.
وقعت المذبحة قبل تولّي شاريت رئاسة الحكومة، لكنّها أصبحت مثالًا واضحًا على الخلاف بينه وبين أنصار الردع العسكري العنيف. وكان شاريت يخشى أن تؤدّي هذه العمليات إلى تصعيد يصعب احتواؤه، وإلى إضعاف الموقف الإسرائيلي أمام المجتمع الدولي. أمّا بن غوريون والقيادات العسكرية فكانوا يرون أنّ الردّ القاسي ضرورة لمنع تكرار الهجمات عبر الحدود.
الشرعية الدولية: الوجه الآخر للقوة
أدرك شاريت أنّ الاعتراف الدولي لا يقلّ أهمية عن التفوّق العسكري في تثبيت الدولة. ولذلك اهتمّ بعلاقات إسرائيل مع الولايات المتحدة والقوى الأوروبية، وبحضورها داخل الأمم المتحدة، وبقدرتها على تقديم نفسها باعتبارها دولةً تسعى إلى الأمن والاستقرار.
السياسة الدولية تمنح المنتصر مزايا لا يحصل عليها أصحاب الحقوق المنتهكة
لقد كانت الديبلوماسية، في تصوّره، وسيلةً لحماية المصالح الإسرائيلية وتخفيف الضغوط الخارجية، وليست بديلًا كاملًا عن القوة العسكرية. وهنا تظهر خطورة الانتقال من فرض الواقع إلى إضفاء الشرعية عليه؛ فحين تنجح دولة اقترن قيامها باقتلاع مئات الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني من أرضهم في بناء شبكة واسعة من الاعتراف والعلاقات، يُصبح وجودها السياسي حقيقةً مستقرةً في التعامل الدولي، بينما تبقى قضية الضحايا معلّقةً بين القرارات والمفاوضات والوعود.
ولا يعني الاعتراف بدولةٍ أنّ جميع الأفعال التي صاحبت قيامها أصبحت مشروعة، لكنّ السياسة الدولية كثيرًا ما تتعامل مع الواقع القائم بصورة تمنح المنتصر مزايا لا يحصل عليها أصحاب الحقوق المنتهكة.
انتصار القوة وسقوط الرهان الديبلوماسي
مع تصاعد التوتّر مع مصر في عهد جمال عبد الناصر، وخصوصًا بعد صفقة الأسلحة التشيكوسلوفاكية عام 1955، تزايد نفوذ الاتجاه العسكري داخل القيادة الإسرائيلية، وتراجعت قدرة شاريت على فرض سياسة أكثر حذرًا. وفي عام 1955، عاد بن غوريون إلى رئاسة الحكومة، بينما استمرّ شاريت وزيرًا للخارجية حتى يونيو/حزيران 1956، حين أُبعد عن منصبه. وبعد أشهر قليلة شاركت إسرائيل مع بريطانيا وفرنسا في العدوان الثلاثي على مصر.
الديبلوماسية الإسرائيلية كانت تتحرّك داخل حدود يحدّدها ميزان القوة ومصالح الدولة
مثّلت هذه التطورات انتصارًا للاتجاه الذي اعتبر القوة العسكرية الأداة الحاسمة لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية، وكشفت أنّ الديبلوماسية الإسرائيلية كانت تتحرّك داخل حدود يحدّدها ميزان القوة ومصالح الدولة. ولم يكن إخفاق شاريت دليلًا على غياب الاختلافات داخل القيادة الإسرائيلية، بل كشف أنّ تلك الاختلافات لم تتجاوز، في جوهرها، كيفيّة حماية المشروع القائم وتثبيت نتائجه.
الديبلوماسي والضحية
تكمن دلالة موشيه شاريت في أنّه يكشف وجهًا آخر من وجوه صناعة الشرعيّة السياسيّة. فالتاريخ لا يُمجّد دائمًا مَن يحمل السلاح؛ بل قد يمنح مكانةً مرموقةً لمَن يُحسن إدارة نتائج استخدامه، ويحوّل المكاسب العسكرية إلى علاقات دولية واتفاقات واعترافات. ومن الخطأ مُساواة شاريت بالقادة المسؤولين مباشرة عن العمليات العسكرية، أو تجاهل اختلافه الحقيقي معهم؛ لكن من الخطأ أيضًا اعتبار اعتداله النسبي دليلًا على تبنّيه العدالة للفلسطينيين.
إنّ أخطر ما تفعله الديبلوماسية حين تنفصل عن العدالة أنّها لا تحتاج إلى إنكار المأساة؛ يكفيها أن تجعل استمرار الواقع الذي أنتجها أكثر أهميةً من إنصاف ضحاياها. وهكذا لا يصبح المنتصر بطلًا لأنّه كان عادلًا، بل لأنّ القوة فرضت روايته، ثم جاءت الديبلوماسية لتمنح تلك الرواية مظهر الشرعية.
(خاص عروبة 22)

