العرب وطموح الوحدة

سقف العروبة الجامع!

لا شيء حولنا في عالمنا العربي يسُرّ إلّا في القليل النادر، بل في القليل النادر جدًّا، ومن هذا القليل النادر جدًّا عبارة أطلقها أسعد الشيباني، وزير الخارجية السّوري، خلال اجتماع مجلس جامعة الدول العربية في السابع من هذا الشهر، فكأنّها الدواء لما نجده من حولنا في أركان أرض العرب الأربعة.

سقف العروبة الجامع!

في دورات سابقة كثيرة لمجلس الجامعة على مستوى وزراء الخارجية، كان المقعد السّوري يظهر شاغرًا، وكان ذلك من دواعي الأسف والأسى معًا، لولا أنّ سلوك النظام السوري السابق كان سببًا في شغور مقعد بلاده بين مقاعد بلاد العرب.

كان من المؤلم أن يظهر مقعد سوريا خاليًا

وقد غادر ذلك النظام غير مأسوفٍ عليه من أحد، بمَنْ في ذلك السوريّون أنفسهم، إلّا أن يكون قد أسف عليه مَنْ وجد فائدة له في وجوده، ومثل هذا لا يُقاس عليه ولا يؤخذ به في حالٍ كحال الوطن السوري، الذي بدا عند مغادرة النظام مقاعد الحكم، وكأنّ لسان حاله هو نفسه لسان حال خالد بن الوليد يوم أقعده مرضه في الفراش.

كان خالد يتحسّس جسده مريضًا في فراشه وهو يقول: "أموت وليس في جسدي موضع إلّا وفيه رمية سهم فلا نامت أعين الجبناء".

وبالطبع هناك فرق بين جسد ابن الوليد والجسد السوري يوم لاذ رأس النظام بالفرار، فالجسد في حالة خالد كان قد أصابه ما أصابه من طول ما خاض من معارك مع أعداء الأمّة في زمانه، أمّا الجسد السّوري فقد لحق به ما أصابه من طول ما أنهكه النظام نفسه، ومن طول ما أرهقه، ومن طول ما استهدفه، فلا نامت عين رأس النظام حيث هو الآن، ولا نامت عيون الذين شاركوه ما فعل في حقّ أرض وأهل الشام.

رهان العرب لا بد أن يكون على "الجامعة" كمعنى ورمز

جاء الشيباني إلى اجتماع وزراء الخارجية العرب ليملأ مقعد بلاده الذي كان من المؤلم أن يظهر خاليًا شاغرًا في دورات عديدة لمجلس الجامعة، ثم جاء الشيباني ليقول في كلمته تلك العبارة التي قصدتها في أوّل هذه السطور. قال: "جئنا نجتمع تحت سقف العروبة الجامع".

فما أقواها من عبارة، وما أبلغها، وما أقدرها على التعبير عمّا يجده كل عربي في صدره، إذا ما راح يتطلّع نحو مبنى جامعة الدول العربية العتيد في ميدان التحرير.

من ناحيتي، أتطلع إليه كلما مررت أمامه في الميدان الشهير الذي يتوسّط قاهرة المعزّ، وأدقق النظر فيه، وأتساءل بيني وبين نفسي عمّا إذا كان سيأتي وقت قريب يُدرك فيه العرب، أنّ رهانهم لا بد أن يكون على هذا المبنى كمعنى يوحي أو رمز يلهم، لا كمجرّد مبنى من طوب أو حجارة.

ليس لقطر عربي أن يتصوّر أن الأزمة التي تواجه قطرًا آخر لا تخصّه ولا تطوله

ففي اللحظة التي وصف فيها الشيباني سقف المبنى بأنّه "سقف العروبة الجامع" كان يشاركه الوجود تحت السقف عينه 21 وزيرًا، وإذا ما التقى 22 وزيرًا للخارجيّة تحت سقف واحد، ثم قرّروا أمرًا في شأن من الشؤون مجتمعين، فإنّ لنا أن نتخيّل تأثير ذلك وصداه في أنحاء العالم.

القصّة ليست في السقف كسقف، ولا حتّى في أن يلتقي تحته أو يستظلّ به كل هذا العدد من وزراء الخارجية في توقيتٍ واحدٍ، ولكن القصة أن يكون السقف جامعًا، وأن يكون عروبيًّا بقدر ما هو جامع، ولا بدّ في الحقيقة أن يكون كذلك، لأن ما يواجه أي قطر عربي من تحدّيات العصر، هو عينه ما يواجه سواه من أقطار العرب.

فليس لقطر عربي أن يتصوّر أن الأزمة التي تواجه قطرًا آخر لا تخصّه ولا تطوله، بحكم أنّه بحساب الجغرافيا بعيد عن دائرتها. هذا تصوّر لحظي لا يرى الخط على امتداده، ولو رآه لرأى فيه ما يصل بين الأقطار العربية جميعها وبالدرجة عينها.

لتكن عودة العروبة كفكرة فرصة لترجمتها من خانة الأفكار إلى مربع الأعمال

سقف العروبة الجامع الذي رآه الوزير الشيباني من مقعده في الاجتماع، ليس سقفًا بالمعنى المباشر لكلمة سقف، ولكنّه فكرة تجمع أكثر منه سقفًا يُظلّل، وإذا شئنا قلنا إنّه يتجاوز حدود السّقف بكلّ معانيه المباشرة، ليصبح طوق نجاة بالمعنى الحقيقي لطوق النجاة الذي إذا ألقوه لغريق في عرض البحر أنقذ حياته نفسها.

فلتكن عودة سوريا إلى مقعدها الشاغر عودة للعروبة كفكرة، ولتكن عودة العروبة كفكرة فرصة لترجمتها من خانة الأفكار إلى مربع الأعمال، وليكن الحسّ العروبي لدى الأمين العام الجديد للجامعة حافزًا على هذا الانتقال من دنيا الأفكار الهائمة إلى عالم الأعمال المستقرّة على قدمين ثابتتين، فليس أمام الذين يستظلّون بسقف العروبة الجامع بديل آخر.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن