عادت تونس وشهدت مؤخرًا ما يمكن وصفه بـ "الاحتجاجات الآمنة" التي خرجت في مواجهة الرئيس قيس سعيد واتهمته بأنه انقلب على المسار الديموقراطي منذ 7 سنوات وأوقف العمل بالدستور وقام بممارسات استبدادية وأقصى معظم الطبقة السياسية من كل الاتجاهات، إلّا أنّ هناك تيّارًا آخر اعتبر إنهاءه للمسار السياسي القديم ووضعه دستورًا رئاسيًّا جديدًا بدلًا من دستور النظام المختلط الباهت كان إنجازًا، حتى لو كانت هناك ملاحظات عديدة على الدستور الجديد.
وقد تميّزت التجربة التونسية منذ ثورتها في 2010 حتّى الآن بأن أطرافها السياسية كلها كانت مدنية، كما أن المؤسسة العسكرية غير مسيطرة على الاقتصاد ولا مهيمنة على السياسة، وأنّ الرئيس قيس سعيد أستاذ قانون دستوري وجامعي جاء إلى السلطة عبر انتخابات ديموقراطية حقيقية، واعتبره وقتها كثير من الناس منقذًا لهم من النخبة التقليدية المسيطرة ومحاولات حركة النهضة الهيمنة على مؤسّسات الدولة.
احتجاجات تونس آمنة لأنها في ظلّ دور للمؤسّسات الحزبية والنقابية ومنظمات المجتمع المدني لم يتم القضاء عليه
وقد أعيد انتخاب الرئيس قيس سعيد لولاية ثانية منذ نحو عامين في انتخابات استبعد منها المنافسين "الحقيقيين" واحتفظ بـ "الشكليين"، وفاز سعيد بنسبة 90% متجاوزًا النسبة التي حصل عليها قبل وصوله إلى السلطة في انتخابات 2019 (حصل على 75% من أصوات الناخبين) على الرغم من أنّه كان من المتوقع أن يحدث العكس، لأنّه فقد تأييد جانب من أنصاره بعد مدته الأولى وبقائه خمس سنوات في السلطة.
ومع ذلك، حافظ النظام التونسي على "سلطوية مدنية" لم تتخلَّ عن الهامش السياسي الذي تمتّع به الشعب لفترات طويلة على الرغم من القيود، وسمحت بالمظاهرات أو لم تستطع منعها، ولم تغلق بشكل كامل المجال العام والسياسي، وظلّت هناك أطراف سياسية ونقابية لا يستطيع الرئيس التونسي التعامل معها فقط بالأداة الأمنية، فهناك أحزاب سياسية تدعم المسار الجديد الذي يقوده الرئيس وتعمل على إصلاحه من داخله، كما يوجد كيان نقابي عملاق اسمه الاتحاد التونسي للشغل له قاعدة اجتماعية واسعة وحقيقية ولا تديره أجهزة الدولة الأمنية، وأيّد قرارات الرئيس في البداية واختلف معه في قضايا أخرى، من دون أن يشارك في الاحتجاجات التي جرت في 25 يوليو/تموز الماضي، وما زال متمسّكًا بشرعيّة الرئيس حتى نهاية مدته الرئاسية.
احتجاجات تونس ستظلّ آمنةً لأنها جرت أو ستجري في ظلّ هامش سياسي ودور للمؤسّسات الحزبية والنقابية ومنظمات المجتمع المدني لم يتمّ القضاء عليه على الرغم من القيود، وهي قد تؤدّي إمّا إلى احترام الرئيس للدستور ومغادرة السلطة مع انتهاء ولايته الثانية في 2029 وإمّا تدفعه إلى تركها قبلها، وفي كلتا الحالتيْن فإنّها لن تسقط الدولة ولن تهدّد السلم الأهلي، على خلاف تجارب أخرى كانت الاحتجاجات بدايةً لانقسام مجتمعي وحروب أهلية.
إنّ الاحتجاجات غير الآمنة عادة ما تحدث في بلدان ديكتاتورية أغلقت بشكل كامل المجال العام مثلما حدثت في ليبيا وسوريا، فنظام القذافي الذي بقي في السلطة 42 عامًا وحوّل الجيش الوطني إلى كتائب وحوّل مؤسّسات الدولة إلى ملحق لنظامه، وهو ما جعل سقوط النظام مساويًا لسقوط الدولة، وسمح للخارج بالتدخل لإسقاط النظام، وظلّت البلاد حتى اليوم منقسمةً بين مشروعيْن في الشرق والغرب.
لم يأت سقوط مؤسسات الدولة إلا حين اختطف النظام الدولة
أمّا سوريا، فإنّ تعامل النظام الوحشي مع الاحتجاجات السلمية وإغلاقه بشكل كامل للمجال العام والسياسي وفشله الاقتصادي وفساد نخبته وتبعيّته للخارج، حوّل الاحتجاجات السلمية الآمنة إلى احتجاجات "غير آمنة" بعد أن حملت كثير من فصائل المعارضة السلاح حتّى نجحت في إسقاط النظام في 2024، وما زالت تعمل على إعادة بناء مؤسسات الدولة من جديد.
لم يتوقّف مسار التحرّكات الاحتجاجية والسياسية في بعض البلدان العربية على دعم القوى الخارجية لها، إنّما لعبت طبيعة النظام القائم دورًا رئيسيًّا في انتقال هذه الاحتجاجات من السلمية إلى العنف، ولم يأتِ الخطر الكبير المتمثّل في سقوط مؤسّسات الدولة إلّا حين اختطف النظام القائم الدولة لصالحه، وحوّلها إلى ملحقٍ لدوائر الحكم نافست النظام في ارتكاب الجرائم... فكانت "الاحتجاجات غير الآمنة".
(خاص عروبة 22)

