قد تكون المأسسة والهيكلة الشاملة أوّل المطلوبات، حيث يظل الانتقال من اللقاءات الثنائية الموسمية إلى مجلس تنسيق استراتيجي أعلى ذي رئاسة مشتركة هو حجر الأساس. يتفرّع عنه لجان تنفيذية قطاعية - أمنية، اقتصادية، إعلامية - تعمل بجداول أعمال دورية ومؤشرات أداء قابلة للقياس.
ويستكمل هذا البناء المؤسّسي بإنشاء غرفة عمليات مشتركة للإنذار المبكّر وتبادل المعلومات الاستخباراتية والسياسية على مدار الساعة، بحيث يسبق التنسيق وقوع الأزمة بدلًا من ملاحقتها بعد تفاقمها، كما يحدث حاليًا مع أزمة باب المندب.
المطلوب من القاهرة والرياض إعادة تنشيط مجلس الدول العربية والأفريقية وربطه بآليات الأمن البحري
هذه المأسسة مطلوبة لأمن البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي لبلورة رؤية أمنية موحّدة لمواجهة التهديدات غير النمطية، من قرصنة وميليشيات مسلّحة بلا صفة دولة، إلى جانب دراسة مسارات تصنيع عسكري تشاركي تقلّل الاعتماد على مصادر التسليح الخارجية، وتؤسّس لقاعدة صناعية دفاعية عربية مشتركة. ويمكن إضافة مجلس الدول العربية والأفريقية المطلّة على البحر الأحمر وخليج عدن، الذي تأسّس في الرياض عام 2020، وذلك كإطار إقليمي قائم بالفعل يمكن البناء عليه، خصوصًا أنّ هذا المجلس ظلّ منذ تأسيسه أقرب إلى إطار تشاوري محدود الفاعلية، لم يُفعَّل بالقدر الذي يتناسب مع حجم التهديدات الرّاهنة في باب المندب والبحر الأحمر.
من هنا، يُصبح مطلوبًا من القاهرة والرياض، بوصفهما الفاعلَيْن الأكبر وزنًا داخل المجلس، قيادة جهد مشترك لإعادة تنشيطه عبر الانتقال من التشاور إلى التنسيق التنفيذي وربط المجلس بآليّات الأمن البحري الثنائية المشتركة وكذلك تفعيل دور الدول الأفريقية.
وقد يكون من الأساسي لبناء علاقة استراتيجية بين مصر والسعودية الانتقال من صيغة الدعم المالي الطارئ إلى استثمار مباشر سعودي مؤسسي في مصر، وأقترح في هذا السياق إنشاء صندوق استثماري ثنائي طويل الأجل بمرجعية واضحة للعائد والحوكمة، بدلًا من الودائع والمنح التي تبقى رهينة الظروف السياسية اللحظية.
القوة الناعمة لا تقلّ أهمية عن الأدوات الصلبة
هذه العلاقة المستقرّة بين القاهرة والرياض يفرضها تقاطع مصالح البلدين في ملفات إقليمية حسّاسة: الأزمة السودانية التي تتطلّب موقفًا موحّدًا يدعم وقف الحرب والدولة المدنية ويمنع التدخلات الخارجية المسلحة، وملف أمن المياه المرتبط بسدّ النهضة، إلى جانب الاستقرار في ليبيا واليمن. يستلزم ذلك تفعيلًا حقيقيًا للتنسيق داخل الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي، مع خط تنسيق موازٍ في الاتحاد الأفريقي نظرًا للثقل الجغرافي المصري هناك، بما يحول دون تفرّد قوى إقليمية أو دولية بإدارة هذه الملفات.
أيضًا القوة الناعمة لا تقلّ أهمية عن الأدوات الصلبة. إنشاء مراكز دراسات استراتيجية مشتركة تنتج أوراق سياسات ميدانية لصنّاع القرار، يوازيه بناء خطاب إعلامي متزن ومنضبط يُحصّن العلاقة من الاستقطاب على منصات التواصل الاجتماعي، ويحدّ من تأثير الأصوات الفردية غير الرّسمية التي تستخدم أحيانًا لتصعيد خلافات عابرة إلى أزمات ديبلوماسية.
أمّا على الصعيد الاقتصادي، فمن المطلوب دراسة آليّات تسهيل التبادل التجاري بالعملات المحلية أو عبر اتفاقيات مقايضة نقدية، وربط الأسواق المالية والبورصات لتعميق الاستثمار المتبادل بعيدًا عن تقلّبات الدولار، بما يمنح الاقتصاديْن مرونةً أكبر أمام الصدمات الخارجية.
ويمكن للتعاون في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والأمن السيبراني، عبر مشروعات مشتركة تستفيد من الاستثمارات السعودية الضخمة في التقنية والقاعدة البشرية والتعليمية المصرية، أن يخلق قطبًا تقنيًّا عربيًا قادرًا على المنافسة إقليميًّا، بدلًا من الاعتماد الكامل على التقنيات الغربية أو الآسيوية.
المأسسة الشاملة تحوّل الشراكة إلى قوة إقليمية فاعلة
في تقديرنا تمتلك العلاقة المصرية - السعودية كل المقوّمات لتكون محور استقرار إقليمي حقيقي، بثقل مصر البشري والجغرافي والأمني، وبالقدرة المالية والاستثمارية السعودية، وبتقارب الرؤى حيال أغلب الملفات الإقليمية الحساسة. لكن تحويل هذه المقوّمات إلى فعل استراتيجي مستدام، بدلًا من استجابة متكرّرة لأزمة تلو أخرى كأزمة باب المندب الرّاهنة، يتطلّب إرادة سياسية واضحة لتجاوز الصيغ التقليدية نحو أطر مُلزمة وقابلة للقياس ومحصّنة من تقلّبات الظرف السياسي اللحظي.
وحدها هذه المأسسة الشاملة يمكن أن تحوّل الشراكة من علاقة ثنائية تقليدية إلى قوة إقليمية فاعلة، تُحسن قراءة التهديدات قبل وقوعها، وتصوغ مبادرات استباقية بدلًا من الاكتفاء برد الفعل!.
(خاص عروبة 22)

