من المكاسب التي عليها شبه إجماع، نجد على الخصوص ارتفاع وتيرة الوعي بمأساة الشعب الفلسطيني، هناك في الساحة الغربيّة، من قبيل الساحة الأوروبيّة، كما اتضح في محطات سياسيّة وفنيّة ورياضيّة عدّة وغيرها، ويهمّنا هنا التوقّف عند بعض الإساءات للقضية التي يتمّ تصريفها تحت شعار نصرة أو تأييد القضيّة في الساحة الأوروبيّة، من خلال ما جرى في النّموذج الفرنسي تحديدًا.
شباب تورّطوا في عمليات اقتحام المحلات التجارية كانوا يحملون العلم الفلسطيني
جسّدت أحداث 17 أكتوبر/تشرين الأول 2026 صدمةً حقيقيّةً للرأي العام الفرنسي، لأنّ الأمر تجاوز محطة الاحتجاجات السابقة التي ميّزت ما صدر عن تيار "السترات الصفراء" ابتداءً من مايو/أيار 2018، أو ما صدر عن مظاهرات التلاميذ والطلبة خلال الأشهر الماضية، بحكم أنّه وصل هذه المرّة إلى اقتحام آلاف المحلات التجاريّة، بما فيها محلات العلامات التجاريّة الخاصّة بالطبقة الراقية، وقد فاق مجمل المحلات التجاريّة رقم 3 آلاف حسب منابر إعلاميّة عدّة، وهذه سابقة من نوعها في الساحة الفرنسيّة.
ما ميّز الأحداث نفسها أنّ نسبةً من الشباب الذين تورّطوا في عمليات الاقتحام أو التخريب، كانوا يحملون أعلامًا عربيّة، ونخصّ بالذكر عَلَم دولة مغاربيّة - لأنّ الجالية المغاربيّة هي أكبر جالية عربيّة في فرنسا - والعَلَم الفلسطيني، وهنا بيت القصيد الذي التزم أغلبنا الصمت عن الخوض فيه، ونقصد الأقلام العربيّة على الخصوص، ولا نقصد الأقلام الإسلاميّة أو أقلام تيار "يسار الإخوان"، لأنّ هؤلاء نوّهوا بالموضوع، لكنّهم جهلوا أنّهم يُحسنون صنعًا، وبيان ذلك كالتالي.
خدمات مجانيّة للأحزاب اليمينيّة التي تعادي الحضور العربي
أسباب هذه الأحداث مركّبة ومتشابكة في آن، نزعم أنّها تتطلّب استحضار أدبيّات الاقتصاد السياسي، وواضحٌ أنّ الخوض في تفاصيل ذلك هو آخر شيء تفكّر فيه أغلب الأحزاب السياسيّة في فرنسا، بدليل تبادل اتهامات بين الجميع ضدّ الجميع هناك، من قبيل تبادل الاتهامات بين القيادي اليساري جان لوك ميلانشون والقياديّة اليمينيّة مارين لوبين، التي تؤكّد استطلاعات الرأي أنّها توجد في مقدّمة المستفيدين انتخابيًّا من هذه الأحداث، وبالتالي فهي مرشّحة للفوز برئاسيّات العام المقبل.
هناك أسماء بحثيّة فرنسيّة عدّة حذّرت منذ سنوات ونبّهت إلى أنّ الوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لا يبعث على التفاؤل، لأنّ الأمر يتعلّق بأزمة بنيويّة وأنّ انفجارها قادمٌ إذا لم تُتخذ مبادرات مضادّة لها سلفًا.
يتعلّق الأمر بإيمانويل تود، كما جاء في كتابه "ما بعد الديمقراطيّة"، وصدر في أكتوبر/تشرين الأول 2008؛ ثم خوان برانكو، وكتابه "الأفول"، وصدر في أكتوبر/تشرين الأول 2019؛ وأخيرًا، إدريس أبركان، ليس من خلال كتبه المخصّصة للدماغ والذكاء الاصطناعي وقضايا أخرى، ولكن من خلال مقالاته التي كان ينشرها في أسبوعية "لوبوان"، وهي يمينية المرجعيّة، ونشر مقالاته ما بين 2016 و2019، لكن الرفع من وتيرة نقده للنموذج السياسي هناك، تسبّب في وضع حدٍّ للنشر.
توظيف الأعلام الفلسطينيّة في التخريب يشوّش على المكاسب
إقحام الأعلام الفلسطينيّة في معرض تفسير تلك الأحداث يُسيء إلى القضيّة نفسها، ويقدّم في آنٍ خدماتٍ مجانيّةً للأحزاب اليمينيّة التي يعادي بعضها الحضور العربي أساسًا. لقد خسرت القضيّة الفلسطينيّة نقاطًا عدّة في المنطقة العربيّة، لكنّها كسبت نقاطًا مهمّة في الساحة الأوروبيّة ومنها الساحة الفرنسيّة، إلّا أنّ توظيف واستثمار الأعلام الفلسطينيّة في عمليات اقتحام المحلات التجاريّة وأعمال التخريب يشوّش بشكل أو بآخر على المكاسب سالفة الذكر، لأنّه يجعل مخيال المتلقّي الفرنسي يقتنع بأنّ ثمّة علاقة مباشرة أو غير مباشرة بين قضيّة إنسانيّة تحظى بتأييد ناشطين من العالم بأسره، وأعمال فوضى وتخريب لا يمكن الدفاع عنها قط!.
(خاص عروبة 22)

