بصمات

الليبرالية الجديدة وحصار المواطنة!

ليست الليبرالية الجديدة مجرّد وصفة تتضمّن سياسات اقتصادية فقط، بل توجّه قيمي وفكري، فمن أجل تيسير أهدافها الرئيسية التي تتمثّل في تحرير الأسواق، والخصخصة، والتقشّف، وإزالة القيود أمام حركة رأس المال، والتوقّف عن تقديم الرعاية والحماية والرفاه للمواطنين، فإنّها تسعى، بدأب، إلى إعادة تشكيل الإنسان والمجتمع ليتلاءما مع تلك الأهداف.

الليبرالية الجديدة وحصار المواطنة!

تتطلّب إعادة التشكيل غرس منظومة قيمية وفكرية وسلوكية جديدة، فكما يقول المنظّر دايفيد هارفي: "لكي تصبح أي طريقة تفكير سائدة، لا بد لها من جهاز مفهوماتي متكامل...". لذا انطلق دعاة الليبرالية الجديدة في الترويج لقيمة السوق القائمة على المنافسة. فمن خلال السّوق سوف يُتاح للمرء الحرية التامّة لأن ينافس ويستثمر ويربح ويعظّم الأرباح.

ضغط التنافس والاستهلاك يكبّل المرء ويحدّ من حريته

وربط دعاة الليبرالية الجديدة بين نجاح الفرد في بلوغ الربح الأقصى وبين العمل على تحسين موقعه التنافسي لمراكمة المزيد من المال. إذ إنّ قيمة المرء تنبع من قدرته على تعظيم العائد. وحتى يحقّق الفرد هذه المهمة لا بدّ من إخضاع مختلف مجالات الحياة لمنطق السّوق.

وفي كتابها الرائد، توضح عالمة السياسة ويندي براون، في كتاباتها النقدية للنيوليبرالية، أنّ: "خطورة الليبرالية الجديدة تكمن في تجاوزها المجال الاقتصادي إلى إعادة صياغة الدولة والمجتمع والذّات الإنسانية، بحيث يُنظر إلى الإنسان باعتباره رأسمالًا بشريًا ينبغي الاستثمار فيه وتعظيم قيمته". لذا كان من الطبيعي أن تتبنّى الليبرالية الجديدة توجهًا "سياسيًا عقلانيًا"، لإضفاء المشروعيّة على ما تدعو إليه وتحفز أفراد المجتمع على اتباع قيمها، وبالتالي سياساتها.

المفارقة أنّ ما تطرحه الليبرالية الجديدة من عقلانية تقوم على التوسّع غير المحدود للحرية الفردية ما هي إلا حرية مزعومة ووهمية. ذلك لأنّها تجعل المرء يعيش تحت ضغط التنافس والتسابق والاستهلاك. وهو ضغط يكبّله ويحدّ من حريته في واقع الحال. ذلك لأنّه يشارك في عملية لا يتحكّم في وضع شروطها ولا يقدر على تحديد مسارها. هكذا تتحوّل الحياة إلى مشروع استثماري. ويتزامن مع ما سبق تخلّي الدولة عن مسؤوليّاتها الاجتماعية تجاه الكثرة المواطنية: الرعوية والحمائية والخدمية، ولكنها لا تتقاعس، قط، عن حماية الملكية الخاصة للقلّة الثروية، بطبيعة الحال، وتأمين المنافسة وتوفير البيئة التشريعية التي تحصّن الأسواق وحركة رؤوس الأموال.

تستمر المواطنة كنص دستوري ووضع قانوني ولكن من دون أن يكون لها أي تجليات فعلية على أرض الواقع

إن الليبرالية الجديدة، حين تتجاوز كونها مجموعة من السياسات الاقتصادية لتصبح عقلانيّة تحكم المجتمع والثقافة والحياة اليومية، فإنّها تعيد تشكيل العلاقات بين المواطنين. في هذا الإطار، يتراجع نموذج الإنسان السياسي (Homo politicus)، ويقصد به الإنسان القادر على المشاركة في المجال العام، والتفكير في المصلحة المشتركة، وممارسة الحيوية المواطنية، وذلك لصالح سيادة نموذج الإنسان الاقتصادي أو ما يُعرف بمفهوم (Homo economicus)، الذي يصبح بموجبه الفرد كائنًا سوقيًّا حيث مجال حركته الرئيسيّة هو السوق. ويرى قدراته وعلاقاته استثمارًا يُعينه على النجاح في العملية التنافسية الاقتصادية بالأساس. وقد ترتّب على هذا التراجع أن حوصرت المواطنة وفُرّغت من مضمونها النضالي: المجتمعي والحياتي.

اتسم هذا الحصار بأنّه أبقى على المواطنة: صوريًا ونصيًا وإعلاميًا. وذلك بالتأكيد على بُعدها الدستوري من جهة، وتشجيع حقّ التصويت من جهة ثانية، ولا بأس من الإكثار من الحديث عنها إعلاميًا من جهة ثالثة. لا يعني ما سبق، حسب أحد المنظرين، "أنّ كل سياسة سوقية تُلغي المواطنة، أو أنّ جميع أشكال المسؤولية الفردية سلبية. فالمشكلة تبدأ عندما تصبح المسؤولية الفردية بديلًا عن المسؤولية العامة، وعندما تُختزل المساواة في تكافؤ قانوني شكلي، بصرف النظر عن التفاوتات التي تجعل بعض المواطنين قادرين على استثمار حرياتهم، بينما يفتقر آخرون إلى الموارد الضرورية لممارستها".

بالنتيجة، تستمرّ المواطنة كنصّ دستوري ووضع قانوني، ولكن من دون أن يكون لها أي تجلّيات فعليّة على أرض الواقع. ورويدًا رويدًا يتحوّل المواطن من فاعل في صناعة التقدّم وصياغة شراكة مواطنية من أجل الخير العام المشترك إلى "فرد سوقي" لا يعنيه إلا مصلحته الخاصة ولو على حساب الآخرين المتنافسين. ومن ثم تسود علاقة تجاورية بين الأفراد تقوم على التنافس والقدرة الشرائية والمضاربة والصراع والإقصاء، بدلًا من علاقة التضامن الوطني والتعاون المجتمعي - وإن اختلفت الرؤى الفكرية والسياسية - الساعية إلى تحقيق الصالح العام.

يتحوّل المواطن إلى ذات سوقية مجال حركتها التنافس بشراسة مع الذوات السوقية الأخرى

بلغة أخرى، لا يُعنى الفرد إلا بإدارة المخاطر الخاصة التي تتعلّق بفاعليته السوقية، وذلك على حساب الشراكة الوطنية التي تؤمّن شروط الكرامة الإنسانية والحياة الكريمة والعدالة والمساواة لجميع المواطنين على اختلافهم.

بمعنى آخر، يتحوّل المواطن من ذات مواطنية، يمارس حيويته المواطنية في المجال العام مع غيره من المواطنين المتماثلين والمختلفين على السّواء، إلى ذات سوقية مجال حركتها السوق والتنافس بشراسة مع الذوات السوقية الأخرى.

استعادة المواطنة مهمة تاريخية ونضالية

يدفع هذا التحوّل الذي يُفرّغ المواطنة من مضمونها - عمليًا - إلى تقويض المواطنة بأبعادها المختلفة: الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والثقافية. فالذّات السوقية التي تنتجها الليبرالية الجديدة - بالتعاون مع السياق الذي يُخاصمه الإنتاج والمشروع التنموي والسلطة السياسية ما قبل الحديثة - تقطع الطريق على المواطنة: الفعل، وتُضعف قدرة الحيوية المواطنية على ممارسة دورها النضالي.

وبعد، إنّ استعادة المواطنة من براثن الليبرالية الجديدة وحلفائها مهمة تاريخية ونضالية. ولن يتأتّى ذلك إلّا بإعادة الاعتبار لمعنى وجدوى الحقوق، ورفض الامتيازات المرهونة بالمكانة والثروة والقدرة الشرائية.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن