وهنا تستحقّ أفكار المدرسة النمساوية في الاقتصاد إعادة القراءة. فقد انطلقت هذه المدرسة، التي ارتبطت بأسماء لودفيغ فون ميزس (Ludwig von Mises) وفريدريش فون هايك (Friedrich von Hayek) وإسرائيل كيرزنر (Israel Kirzner)، من رؤية مختلفة لطبيعة الاقتصاد. فالمشكلة الاقتصادية ليست فقط في ندرة الموارد، وإنّما في معرفة أفضل استخدام لها، وفي كيفيّة تنسيق قرارات ملايين الأفراد الذين يمتلك كل منهم جزءًا من المعرفة ولا يمتلك الصورة الكاملة.
طرح ميزس في "الفعل الإنساني" ومساهماته حول الحساب الاقتصادي سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن تحديد الاستخدام الأكثر كفاءة للموارد؟ ورأى أن الأسعار والأرباح والخسائر ليست مجرّد نتائج للنشاط الاقتصادي، وإنما أدوات للحساب الاقتصادي وتوجيه الموارد.
ثم جاء هايك في مقاله الشهير "استخدام المعرفة في المجتمع" عام 1945 ليشرح أنّ المعرفة الاقتصادية موزّعة بين الأفراد والشركات، وأنّ جزءًا كبيرًا منها محلّي ومتغيّر ولا يمكن تجميعه بالكامل لدى جهاز مركزيّ. وتعمل الأسعار، في هذا التصوّر، كآليّةٍ لنقل هذه المعلومات وتنسيق القرارات من دون الحاجة إلى مركز يعرف كل شيء.
التكامل ينبغي أن يبدأ بالفرص التي تستطيع الشركات العربية اكتشافها واستغلالها إذا أزيلت العوائق أمامها
هذه الفكرة بالذّات شديدة الصلة بمستقبل التعاون الاقتصادي العربي. فالمشكلة ليست نقص الموارد أو الأسواق أو رؤوس الأموال، وإنّما أنّ هذه الموارد موزّعة بين دول واقتصادات مختلفة، وأنّ المعرفة المتعلقة بها موزّعة بدورها بين الشركات والمستثمرين والمستهلكين والمهنيين والباحثين. لذلك فإنّ محاولة إدارة التكامل العربي من خلال مركز حكومي يُحدّد مسبقًا مَن ينتج ماذا، وأين، وبأي تكنولوجيا، ولأي سوق، تواجه المشكلة عينها التي أشار إليها هايك: لا أحد يمتلك المعرفة الكاملة اللازمة لاتخاذ كل هذه القرارات.
ومن هنا يمكن فهم حدود النّموذج الاقتصادي الذي ارتبط تاريخيًا بالتجربة النّاصرية، والذي جعل الدولة محور التصنيع والاستثمار وامتلكت بموجبه قطاعات واسعة من النشاط الإنتاجي. كان لهذا النموذج سياقه التاريخي، في مرحلة كانت فيها الدول العربية تبني مؤسّساتها الوطنية وتفتقر إلى قاعدة صناعية ورأس مال خاص كافٍ، وكان تدخّل الدولة ضروريًا في قطاعات عديدة.
لكن استمرار المنطق ذاته في القرن الحادي والعشرين يواجه واقعًا مختلفًا. فالاقتصاد الحديث لا يقوم فقط على المصانع الضخمة والمشروعات القومية، وإنما على شبكات من الشركات المتخصّصة، وسلاسل القيمة، والخدمات، والمنصّات الرقمية، والبحث والتطوير، والملكية الفكرية، والشركات الناشئة. وهذه أنشطة تحتاج إلى سرعة في اكتشاف الفرص واختبار النّماذج الجديدة والخروج من الأنشطة غير المجدية، وهي أمور يصعب أن تكون محورًا لنظام شديد المركزية.
المطلوب هو أن تبني الحكومات "بنية التكامل"
وهنا تبرز مساهمة إسرائيل كيرزنر حول "الاكتشاف الريادي". فالمنافسة ليست مجرّد صراع، بين شركات موجودة بالفعل، على سوق معروفة، وإنما عملية مستمرّة يكتشف خلالها روّاد الأعمال فرصًا لم تكن معروفةً مسبقًا، ويُعيدون توزيع الموارد وفقًا لما تكشفه السوق. إذا طبّقنا هذه الفكرة على العالم العربي، فإنّ التكامل لا ينبغي أن يبدأ دائمًا بسؤال: ما المشروع العربي الكبير الذي تستطيع الحكومات تأسيسه معًا؟ وإنما بسؤال آخر: ما الفرص التي تستطيع الشركات العربية اكتشافها واستغلالها إذا أزيلت العوائق أمامها؟ ولا يتعارض هذا مع فكرة المشروعات القاطرة، التي تناولناها من قبل، إذ يمكن أن تقوم هذه المشروعات على أساسٍ من حاجة السوق والمزايا التنافسية المتكاملة.
قد تجد مصنعًا في مصر قادرًا على إنتاج مكوّنٍ تحتاج إليه شركة في السعودية، بينما يوفّر مستثمر إماراتي التمويل، وتقدّم شركة أردنية الخدمات الهندسية أو البرمجية، وتوفّر دولة عربية أخرى مدخلات الإنتاج أو السوق النهائية. هذه الشبكة من التخصّص والتكامل هي عادة أكثر كفاءة من إنشاء شركة عربية ضخمة تحدّد الحكومات مسبقًا أدوارها.
لذلك، أرى أنّ القطاع الخاص يجب أن يكون الركيزة الأساسية للمرحلة الجديدة من التعاون العربي، في الإنتاج والتجارة والخدمات والتكنولوجيا. وليس معنى ذلك انسحاب الدولة، وإنما تغيير وظيفتها من إدارة النشاط الاقتصادي إلى بناء البيئة التي تسمح له بالعمل: إزالة القيود غير الضرورية، توحيد المواصفات، تسهيل حركة الاستثمار ورؤوس الأموال، الاعتراف المتبادل بالتراخيص، تطوير الجمارك واللوجستيات، وحماية المنافسة والملكية الفكرية.
مستقبل التعاون الاقتصادي العربي يكون في بناء مؤسسات تسمح بالتكامل من أسفل إلى أعلى
أمّا الشراكة بين القطاعيْن العام والخاص، فتظلّ أداة مهمّة، ولكن في مجال مختلف، خصوصًا في المراحل الأولى للتعاون الإقليمي، عندما تكون هناك حاجة إلى استثمارات ضخمة في الموانئ والسكك الحديدية وشبكات الكهرباء والمياه والربط الرقمي ومراكز البيانات. فهذه البنية الأساسية هي التي تُتيح للقطاع الخاص لاحقًا بناء شبكات الإنتاج والتجارة والخدمات عبر الحدود. المطلوب إذن هو أن تبني الحكومات "بنية التكامل"، لا أن تدير بالضرورة "اقتصاد التكامل".
ولعلّ أكثر ما يجعل المدرسة النمساوية مثيرةً للاهتمام أنّها سبقت، فكريًا، جانبًا مهمًا من الأسئلة التي أصبح اقتصاد المعلومات يضعها في قلب التحليل الاقتصادي. فتركيز "هايك" على المعرفة الموزّعة، و"ميزس" على الحساب الاقتصادي، و"كيرزنر" على اكتشاف الفرص، يضع المعلومات والحوافز والقرار اللامركزي في مركز العملية الاقتصادية. ثم جاءت مساهمات جورج ستيغلر (George Stigler) وجورج أكيرلوف (George Akerlof) ومايكل سبينس (Michael Spence) وجوزيف ستيغليتز (Joseph Stiglitz) لتطوّر تحليل المعلومات وعدم تماثلها في الأسواق، وحصل عدد منهم لاحقًا على جوائز "نوبل".
التكامل الاقتصادي الناجح يحتاج إلى مؤسسات تسمح لملايين العقول الاقتصادية بأن تتواصل وتتنافس وتكتشف وتتعاون
ومن ثم، فإنّ مستقبل التعاون الاقتصادي العربي قد لا يكون في إعادة إنتاج نموذج التكامل من أعلى إلى أسفل، وإنّما في بناء مؤسّسات تسمح بالتكامل من أسفل إلى أعلى: شركات تبحث عن شركاء، ومستثمرون يبحثون عن فرص، ومصنّعون يتخصّصون في أجزاء من سلاسل القيمة، وتكنولوجيا تجد أسواقًا، ورأس مال يبحث عن استخدام أكثر إنتاجية.
فالتكامل الاقتصادي الناجح لا يحتاج إلى عقل مركزي يعرف كل شيء، بقدر ما يحتاج إلى مؤسّسات تسمح لملايين العقول الاقتصادية بأن تتواصل وتتنافس وتكتشف وتتعاون.
الدولة لا تحتاج إلى أن تعرف مسبقًا ماذا يجب أن ينتج العرب؛ بل تحتاج إلى أن تجعل اكتشاف ذلك ممكنًا.
(خاص عروبة 22)

