على الرغم من أنّ مصر بمعايير ذلك الزمن كانت من أفضل الدول النامية في ما يتعلق بدخل الفرد وتقدّم اقتصادها، إلا أنّ سوء توزيع الدخل هو الذي أوجد تلك الحالة. وكان الاقتصاد زراعيًّا بالأساس ويفتقد التنوّع والتصنيع واسع النطاق، ويعتمد على محصول تصديري واحد هو القطن، يُساهم بأكثر من أربعة أخماس الصّادرات السلعية المصرية.
كيف حقّق ناصر العدالة عبر مجانيّة الرعاية الصحية والتعليمية والتشغيل والأجور العادلة؟
كان "نظام يوليو" معنيًا بتغيير الحالة الاجتماعية لتحقيق العدالة النسبية. وكانت المسارات التي حقّق من خلالها تلك العدالة تتمثّل في الإصلاح الزراعي الذي تمّ تناوله في الحلقة الأولى من هذا المقال، وإقرار مجانيّة التعليم العام كليًا وفي كل المراحل. وحتّى عام 1970 تمّت مضاعفة عدد المدارس أربع مرات، وعدد المدرّسين 6 مرات، ما ساهم في تخفيض معدّل الأمية إلى أقلّ من 50% عام 1970.
في عام 1970 بلغ الحد الأدنى لأجر خريج الجامعة 17 جنيهًا كانت تشتري نحو 17 غرامًا من الذهب
كما تمّ إقرار مجانية الرعاية الصحية العامة بشكل كامل. وتمّ استحداث نظام تعيين الدولة لخريجي النظام التعليمي بشكل كامل في وظائف حقيقية في اقتصاد سريع النمو، لفتح باب الحراك الاجتماعي، ولتمكين الخريجين من كسب عيشهم بكرامة. وتمّ وضع حد أدنى للأجر الشهري لخريج الجامعة يبلغ 7 جنيهات عام 1953، وكانت تشتري نحو 60 كيلوغرامًا من اللحم في الريف، ونحو 47 كلغ في الحضر. وفي قياس آخر تشتري قرابة 12 غرامًا من الذهب. وفي عام 1970 في نهاية العهد الناصري، بلغ الحد الأدنى لأجر خريج الجامعة 17 جنيهًا كانت تشتري نحو 68 كلغ من اللحم في الريف، ونحو 42 كلغ من اللحم في الحضر، ونحو 17 غرامًا من الذهب.
وحتى بالنسبة إلى الفلاحين الأجراء تم خلق مئات الآلاف من الوظائف الموسمية لهم في الأراضي التي استصلحتها الدولة أو آلت إليها عبر موجات الإصلاح الزراعي. كما تمّ وضع حد أدنى للأجر اليومي للعامل الزراعي يبلغ 18 قرشًا تشتري 1,5 كلغ من اللحم في الريف وتُعادل قدرتها الشرائية نحو 700 جنيه من جنيهات الوقت الراهن.
الاعتماد على الدولة بعد نكوص القطاع الخاص
في سياقٍ موازٍ، كان "نظام يوليو" يطمح إلى تحقيق التنمية الاقتصادية وتجسير الفجوة مع الدول الصناعية المتقدّمة. واعتمد في البداية على القطاع الخاص، لكن النتائج الفعلية كانت مُحبطة، فخلال السنوات الأربع من 1951 إلى 1954، لم تتجاوز الزيادة في رؤوس أموال الشركات المساهمة في الصناعة، أي صافي الاستثمارات الصناعية الجديدة، نحو 17,8 مليون جنيه مصري. وفي عام 1952 وحده، كانت الزيادة في رؤوس أموال الشركات المساهمة في الصناعة نحو 3,5 مليون جنيه أي أقل من 0,4% من النّاتج المحلي الإجمالي لمصر في ذلك العام، وهو معدل هزيل لا يسمح بأي تنويع أو تطوير جدّي للصناعة وللاقتصاد.
وحتّى عام 1952، تركّزت الصناعات المصرية في غزل القطن ونسجه والملابس الجاهزة والحرير الصناعي والصوف والسكر والنشا والخضر المحفوظة وصلصة الطماطم والبصل المجفّف وملح الطعام والإسمنت والطوب والزيوت والصّابون والأعلاف والجلود والأسمدة والورق وألواح الزجاج والأواني الزجاجيّة والحديد والمصابيح الكهربائية وشفرات الحلاقة وتكرير النفط وطحن الحبوب وصناعات المحاجر الأولية، والكهرباء. وعلى الرغم من محدوديّتها، إلا أنها كانت الأعلى تصنيعًا بين الدول العربية.
تعزيز دور الدولة في قيادة النهوض والاستقلال الاقتصادي
وعندما يئِس عبد الناصر من قيام رأسمالية القطاع الخاص بضخّ الاستثمارات الضرورية للتنمية، وبخاصة في مجال الصناعة التحويلية، بدأ في التفكير في وسائل أخرى تعتمد على دور الدولة لإنجاز التنمية الاقتصادية، خاصةً أنّ نماذج الدور الاقتصادي الكبير للدولة في تمويل الحرب العالمية الثانية، وفي إعادة البناء والإعمار في أوروبا شرقًا وغربًا، ودورها المُهيمن في الاقتصادات الاشتراكية التي كانت الأسرع نموًّا حتى ذلك الحين، شكّلت كلها مُحفّزًا لتعزيز دور الدولة في قيادة النهوض والاستقلال الاقتصادي الوطني. وحدث التغيير الكبير مع سياسة التمصير التي جاءت في أعقاب العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، والتي تمّ خلالها تأميم الشركات التابعة للدول المعتدية على مصر وللدول المؤازرة لعدوانها الإجرامي.
القفزة الصناعية والتنموية الكبرى وتمويل الحروب بالاعتماد على الذّات وديون محدودة
حدثت النقلة الكبرى في تشكيل السياسات الاقتصادية الناصرية عبر تأميم القطاع الصناعي، وبناء السدّ العالي، والتركيز على الاستثمارات الموجّهة لبناء صناعات تحويلية تمدّ مصر بسلع بديلة للواردات. وزاد عدد العاملين في الصناعة التحويلية المصرية من 264,9 ألف عامل عام 1952 إلى 669,2 ألف عامل بحلول عام 1969. وخلال الفترة من عام 1952 وحتى عام 1966، ارتفعت قيمة النّاتج الصناعي لمصر بنسبة 287%. واقتحمت كل المجالات الصناعية. وبلغ معدل النموّ الحقيقي للنّاتج المحلي الإجمالي نحو 6% سنويًا في المتوسط خلال خمسينيّات القرن العشرين، وارتفع إلى 8,3% سنويًا خلال النصف الأول من ستينيّاته، وبلغ 6,8% سنويًا خلال الفترة من عام 1965 حتى عام 1980 (تشمل جزءًا من عصر عبد الناصر، وعصر السادات) حسب بيانات البنك الدولي.
أدارت مصر اقتصادها خلال سنوات الحروب بدرجة عالية من الكفاءة والنزاهة
وتم تبنّي نموذج التنمية المستقلة بالتركيز على تمويل بناء تلك الصناعات بالاعتماد على الذّات، عبر رفع معدّل الادخار، والوصول بمعدل الاستثمار إلى نحو 19,7% في ستينيّات القرن الماضي، مقارنةً بأقل من 14% في خمسينيّاته. وقد مكّن ذلك عبد الناصر من إحداث ثورة صناعية هي الأعظم في التاريخ الحديث لمصر، من دون أن يورّط مصر في أزمة مديونية داخلية أو خارجية، حيث انتهى عهده وإجمالي ديون مصر الخارجية أقل من 1,8 مليار دولار تعادل 690 مليون جنيه، توازي 22% من النّاتج. وهذا يعني أنّ أي تضخم للمديونية بعد ذلك، ناجم عن سوء اختيار وإدارة السياسات الاقتصادية العامة، وليس عن سنوات الحروب التي أدارت مصر اقتصادها خلالها بدرجة عالية من الكفاءة والنزاهة.
لقراءة الجزء الأول
(خاص عروبة 22)

