يمكن القول إنّ السياسات الاقتصادية - الاجتماعية الناصرية قد صيغت في خضم معالجة مشاكل الواقع، ولم تكن كلّها جاهزة من البداية. وكان الإصلاح الزراعي وهو إجراء رأسمالي قامت به نظم محافظة في اليابان وإيطاليا وكوريا الجنوبية وإيران، هو أسرع إجراء اقتصادي - اجتماعي لنظام "يوليو" بعد 48 يومًا من الانقلاب الثوري.
وكان ذلك الإجراء متواصلًا مع نقاشات عامة وبرلمانية طرحت ذلك الإجراء قبل الانقلاب الثوري في يوليو 1952 الذي تحوّل إلى ثورة اجتماعية - اقتصادية بعد ذلك.
تحديد سقف ملكية الأرض واستعادة الدولة لأرضها من الأجانب وتوزيعها على الفلاحين المعدمين
تدرّج سقف الملكية في قوانين الإصلاح الزراعي المتتابعة حتى بلغ في عام 1969 مئة فدّان للأسرة التي تشمل الزوج والزوجة والأولاد القصّر، وخمسين فدّانًا للفرد الذي لا يدخل ضمن أسرة. ثم صدر القانون رقم 15 لعام 1963 الذي قضى بحظر تملّك الأجانب للأراضي الزراعية وما في حكمها من الأراضي البور والصحراوية، وأيلولة ما يملكونه من هذه الأراضي إلى الدولة المصرية لتكتمل سيادتها على كل أرض مصر. ونتيجةً لتلك القوانين، آلت للإصلاح الزراعي مساحة تزيد على المليون فدّان، جاءت من أراضي العائلة المالكة وغالبيتها مُنتزَعة من القرى التي كانت تعجز عن دفع الضرائب الجائرة. وكذلك من الموالين للعائلة المالكة التي منحتهم الأرض، وبعضهم ممّن خانوا عرابي وساعدوا الخديوي الخائن محمد توفيق الموالي للإنجليز.
أصبحت الدولة السلطة الخارجية الوحيدة على الريف المصري
وقد قامت الدولة بتوزيع الجانب الأعظم من الأراضي الزراعية التي آلت إلى الإصلاح الزراعي، على الفلاحين المعدمين الذين تملكوها أو استأجروها، وبلغ عددهم، مُلاكًا ومستأجرين، نحو 362 ألفًا ينتفعون هم وعائلاتهم بمساحة بلغت 939 ألف فدّان. وتم تقسيط ثمن الأرض على 40 عامًا، وتم تخفيض الثمن إلى الربع عام 1964.
كما تمّ وضع حد أعلى للقيمة الإيجارية يوازي سبعة أمثال الضريبة العقارية على الأرض، كما حدّد نصيب المالك الذي يؤجّر أرضه بطريقة المزارعة بنصف غلّة الأرض شرط مساهمته بنصف مصروفات الزراعة.
كذلك، وضع قانون الإصلاح الزراعي حدًّا أدنى للأجر اليومي للعامل الزراعي بـ 18 قرشًا (كانت تشتري وقتها 1,5 كيلوغرام من اللحم البلدي ثمنه 700 جنيه حاليًا، أو 0,28 غرام ذهب ثمنه 1777 جنيهًا حاليًا). كما تمّ وضع شروط منصفة نسبيًّا للعلاقات بين الملاك وكل من المستأجرين والمشاركين بنظام المزارعة.
وعبر ذلك الإصلاح الزراعي وتعميم الجمعيات التعاونية التي تتولّى مهام توزيع القروض والبذور والمخصّبات والمبيدات، وتقوم بالتسويق الإجباري أو التعاوني للمحاصيل، وتوفر المعدات والمكائن، أصبحت الدولة هي السلطة الخارجية الوحيدة على الريف المصري، بشروط أكثر عدالة من السلطات السابقة المتمثلة في الإقطاعيين وتجار المدخلات والأدوات والمحاصيل.
وعملت الدولة في العهد الناصري على استصلاح الأراضي الصحراوية وزراعتها، فتمّ خلال الفترة من منتصف عام 1952 حتى منتصف عام 1971، استصلاح وزراعة نحو 912 ألف فدان.
سحبت مصر 89 مليار متر مكعب من بحيرة ناصر أنقذتها من الجفاف السباعي
يُعتبر السد العالي أعظم إنجازات العهد الناصري. وقد تحمّلت مصر تكاليفه بالكامل بما في ذلك تعويضات المضارين في النوبة في مصر والسودان، وعلى الرغم من ذلك منحت السودان 14,5 مليار متر مكعب من الوفورات المائية الصافية التي حققها، بينما حصلت مصر التي تحمّلت كل شيء، على 7,5 مليار متر مكعب، لكنّها كافية لزراعة 1,3 مليون فدّان بطرق الري التقليدية القديمة، وأكثر من ضعف تلك المساحة بوسائل الري الأحدث.
اختير السد العالي كأعظم مشروع بنية أساسية في القرن العشرين
كما قدمت المحطة الكهرومائية للسد نحو 54% من احتياجات مصر من الكهرباء في منتصف سبعينيّات القرن الماضي، وكانت السبب الرئيس في كهربة الرّيف المصري. كما تحررت مصر من حشد 100 ألف عامل ومهندس لمدة أربعة أشهر سنويًا، لمكافحة الفيضان السنوي وما يحدثه من تخريب وتدمير. كما قدّم السد خدمته الأعظم إلى مصر في مواجهة الجفاف السباعي الرهيب الذي حدث خلال الفترة من 1980 حتى 1987 وسحبت مصر خلالها نحو 89 مليار متر مكعب من بحيرة ناصر لتغطية العجز المائي وسدّ احتياجاتها فمرّ ذلك الجفاف عليها سقيًا وريًا وسلامًا بفضل سدّها العالي، بينما توفي الملايين في دول حوض النيل بسبب ذلك الجفاف وما خلّفه من مجاعات.
وفي أغسطس/آب عام 1999، قامت هيئة تحكيم عالمية بعقد اجتماع على هامش أضخم معرض إنشائي وتجاري وصناعي في القرن العشرين، في ويسترن هامبشاير لاختيار أبرز عشرة مشروعات إنشائية في القرن العشرين، واختير السد العالي متقدمًا على "إمباير ستيت" وسد بولدر الأميركيين، كأعظم مشروع بنية أساسية في القرن العشرين، وجاء في حيثيات اختياره، أنّه أعظم عمل إنشائي وهندسي عالمي أحدث تغييرات إيجابية كبيرة في حياة شعب بأكمله، فهو يوفّر مياه الشرب والري بصورة منتظمة وآمنة لشعب مصر، ويوفر جانبًا مهمًّا من احتياجات مصر من الطاقة. كما يختزن كمّيات هائلة من المياه في بحيرة ناصر تكفي لمواجهة الاحتياجات المائية المصرية في حالة انخفاض الإيرادات المائية لنهر النيل لسنوات متتالية عدة كما يحدث في دورات الجفاف السباعية التي تضرب منابع النيل مرة واحدة كل قرن أو قرنين منذ عهد المصريين القدماء وحتى الآن. كما أنّه أدّى لمضاعفة الإنتاج الزراعي وفتح المجال أمام التوسّع في استصلاح واستزراع الأراضي بصورة غير مسبوقة.
دورات الجفاف السباعية كانت تقضي في الغالب على أكثر من نصف سكان مصر في كل دورة
ولإدراك ما كانت التقلّبات العنيفة في نهر النيل تفعله في مصر، يكفي أن نعلم أنّ دورات الجفاف السباعية كانت تقضي في الغالب على أكثر من نصف سكان مصر في كل دورة. ومَن يرغب في معرفة حجم وطبيعة الأهوال التي كانت مصر تتعرّض لها خلال موجات الجفاف الرّهيبة، فليقرأ كتاب المقريزي "إغاثة الأمة بكشف الغمّة" وهو ضمن مطبوعات مكتبة الأسرة، فضلًا عن الطبعة القديمة الصادرة عن دار الهلال.
أمّا الحصاد الاقتصادي – الاجتماعي للعهد الناصري في مجال التعليم والتشغيل والرعاية الصحية واستنهاض المدخرات والاستثمارات لتمويل التصنيع والتنمية عمومًا ومكافحة البطالة، ومكانة مصر وسط اقتصادات المنطقة والعالم في نهاية عهد عبد الناصر، فإنّه موضوع الحلقة الثانية من هذا المقال.
(خاص عروبة 22)

