لقد ظنّ بعضهم أنّ ذلك السؤال يُعدّ ترفًا فكريًّا ولغوًا نخبويًّا؛ لذلك وقعت إساءة استغلال سقوط بعض الأنظمة السياسيّة العربيّة لتوجيه النظر إلى عديد القضايا السياسيّة والاجتماعيّة مع تجاهل عمقها الفكري والثقافي. فتحوّل الجدل في كثيرٍ من الأحيان إلى شكلٍ من أشكال السفسطة والبهرج الإعلامي.
فإذا كان في الظّاهر قد تمّت تجزئة سؤال التجديد وتفريعه في شكل ثنائيّات مثل الدين والديموقراطية، والإسلام والعلمانية، والشريعة والواقع، والتشريعات الوضعيّة والتشريعات الإسلامية، وعلاقة الدّين بالدولة عمومًا، فإنّ ذلك التفريع لم يُفْضِ إلى تكريس الوعي التاريخي بتلك الإشكاليّات، وإنّما على النّقيض من ذلك حوّلها إلى "صراع ديكة" تحت شعارات هويّاتيّة أو حداثويّة لا علاقة حقيقيّة لها بالثورة وبالحداثة والدّين أصلًا.
الحاجة مؤكّدة إلى إعادة طرح سؤال التجديد بعمق وحيوية
لم تكن طبيعة تلك الإشكاليّات والرهانات المنتظرة منها مندرجةً في إطار تناول فكري ينفذ إلى البُنى العميقة الموجّهة لها والمؤثّرة في التمثّلات والواقع، وإنّما ظلّت منحصرةً في التناول السطحي المباشر الملاحق للأحداث. بينما كان من المفروض أن تعمل على الكشف عن أنظمة التفكير المحرّكة لمستجدّات الواقع.
يتجلّى ذلك بوضوح في طبيعة التوافق بين مختلف الفاعلين الاجتماعيين، إذ يُعدّ توافقًا هشًّا يستهدف المناورة وتلطيف الأجواء في انتظار تغيّر الظروف والمزاج العام للتنصّل من تلك الاتفاقيات والانقضاض عليها، وهو ما عكسته الحالتان المصريّة والتونسيّة مثلًا، وليس المعالجة الجذريّة لتلك الإشكاليّات بما يشكّل مهادًا نظريًّا وتاريخيًّا يمكن التأسيس عليه سواء في مسار تجديد الثقافة السياسيّة أو بناء دولة القوانين والمؤسّسات والمواطنة.
ربوض الفكر العربي في الدوّامة نفسها منذ عصر النهضة يؤشّر إلى العجز عن الإسهام في التغيير الحضاري المأمول
أضحى الحديث عن التجديد في ذلك المناخ مسألةً ثانويةً على الرغم من بروز بعض الجهود الفرديّة لتحليل الأوضاع الراهنة تحليلًا معمّقًا باعتماد مقاربات متعدّدة الاختصاصات مثل علم الاجتماع الديني وعلم الاجتماع الثقافي والسياسي والتاريخ والفلسفة والعلوم القانونيّة والسياسيّة. وهو ما يظهر في توفيق بعض المؤسّسات في إصدار عدد من الأعمال المهتمّة بالتجديد. لكن ظلّ تأثيرها محدودًا في ظلّ غياب الاهتمام الإعلامي واستحواذ صنّاع المحتوى والمدوّنين على شبكات التواصل الاجتماعي التي يميل روّادها إلى الأخبار المثيرة والميميات.
إنّ الحاجة اليوم مؤكّدة إلى إعادة طرح سؤال التجديد بعمق وحيوية. فأسئلة الدّين والديموقراطيّة والشريعة والواقع والإسلام والعلمانيّة وعلاقة الدين بالدولة ومنزلة الشريعة في المنظومة الدستوريّة والقانونيّة تتنزّل في حقيقتها ضمن جوهر سؤال التجديد المركزي. وبمعنى آخر، تُعدّ قضايا إشكاليّة ذات عمق فكري وثقافي قبل أن تكون إشكاليّات سياسيّة أو اجتماعيّة. وإنّ ربوض الفكر العربي في الدوّامة نفسها منذ عصر النهضة إلى اليوم يؤشّر إلى مرض الثقافة العربيّة المُزمن، وعطالة العقل العربي العاجز عن الإسهام في التغيير الحضاري المأمول.
لطالما وقع استغلال المعارك الهويّاتية حول الأصالة والمعاصرة والماضي التليد والهويّة عمومًا لتحويل وجهة مطالب الشعوب العربيّة المشروعة وإجهاض تطلّعاتها في الحرّية والكرامة والعدالة. وهو ما يستدعي تطوير سؤال التجديد. لكن ذلك لا يمكن تحقيقه من دون تجاوز الأزمة المؤسّساتيّة، فضلًا عن الأزمة البُنيويّة. فعديد المؤسّسات الموكول إليها مأسسة التجديد وتطويره إلى ثقافة اجتماعيّة ظلّ وجودها شكليًّا صوريًّا بلا فعّالية تذكر سواء في الوسط الأكاديمي والتعليمي والتربوي أو الثقافي والسياسي.
تجديد الفكر من المفاتيح الأساسية لتجاوز حالة الذل والهوان
سوف يظلّ سؤال التجديد سؤالًا مصيريًّا يتقاطع مع السؤال الوجودي الشهير "نكون أو لا نكون" الذي طرحه شكسبير على لسان هاملت في مسرحيته التي تحمل اسم بطلها نفسه (هاملت). لكن لا بدّ من توفّر شرطيْن مهمّيْن لضمان ديمومته ومعالجته: أوّلهما تجاوز الطابع النخبوي المتعالي عن الواقع. والثاني مراعاة خصوصيّات المجال التداولي العربي الإسلامي تجنّبًا لاستنساخ النماذج الجاهزة والوقوع في مزالق الإسقاط المعرفيّ. وليس من المبالغة القول إنّ تجديد الفكر العربي يُعدّ من المفاتيح الأساسية لتجاوز حالة الذلّ والهوان نحو آفاق التقدم الحضاري والعزّة والكرامة والندّيّة الحضارية.
(خاص عروبة 22)

