تقدير موقف

"التقدّم المغدور"! مصر وتاريخ البدايات التي لم تكتمل

يبدو التاريخ المصري الحديث، في جانب أساسي منه، كأنّه تاريخ بدايات عظيمة لم تجد طريقها إلى الاكتمال. تفتح مصر أفقًا جديدًا للتغيير، وتنجح في التقدّم خطوات حقيقية، ثم ينحرف المسار قبل أن يتحوّل ما تحقّق إلى قاعدةٍ لما يليه. لا يختفي الإنجاز تمامًا، ولا تعود مصر إلى النقطة التي بدأت منها، لكن قدرتها على البناء فوقه تتعطّل، فتجد نفسها بعد عقود تعود إلى أسئلة كان يُفترض أن تكون قد تجاوزتها. ولهذا ربّما، لا تكمن مشكلة مصر الحديثة في أنها لم تعرف النهضة، وإنّما في أنها لم تنجح، في لحظاتٍ كثيرة، في تحويل النهضة إلى تراكم، والإنجاز إلى امتداد، والبداية إلى تاريخ متصل.

تبدأ إحدى أهم هذه البدايات مع محمد علي، حين شرع في بناء دولة حديثة بجيش قوي وإدارة وتعليم واقتصاد حديث، حتى تحوّلت مصر إلى قوة إقليمية هدّدت مركز الدولة العثمانية نفسها. لكن المشروع ظلّ مرتبطًا بالدولة والحاكم أكثر من ارتباطه ببنية مؤسّسية واجتماعية تحميه وتواصل تطويره، فجاءت تسوية 1840 لتفرض قيودًا حاسمةً على مشروع الصعود قبل أن يتحوّل إلى مشروع تاريخي متراكم.

مصر لم تستطع تحويل التقدّم إلى بنية مؤسسية تواصل البناء

ثم جاء إسماعيل ليستأنف التحديث ويوسّعه، فانتقلت مصر إلى مرحلة جديدة من بناء الدولة والعمران والتعليم والبنية الحديثة، لكن التوسّع السريع اقترن بالديون، فتحوّلت أدوات التحديث عينها إلى مداخل للنفوذ الأجنبي والتدخل في القرار المصري.

وهكذا لم تكن المشكلة أنّ مصر عجزت عن التقدّم، وإنما أنها لم تستطع في المرّتَيْن تحويل التقدّم إلى بنية مؤسسية تواصل البناء بعد تغيّر ميزان القوة.

ومن هذا التناقض خرجت الثورة العُرابية بوصفها محاولةً لنقل مشروع التحديث من الدولة إلى المجتمع، وربط بناء الدولة الحديثة بحقّ المصريين في امتلاك قرارها والمشاركة في تحديد مستقبلها. كان شعار "مصر للمصريين" تعبيرًا عن بروز فكرة الدولة الوطنية، لا مجرّد إصلاح مؤسساتها. واتسعت الحركة العُرابية إلى المجال المدني والاجتماعي، وارتبطت بمقاومة النفوذ المالي والسياسي الأوروبي وبالمطالبة بدور أكبر للمصريين في إدارة دولتهم. لكن الاحتلال البريطاني سنة 1882 قطع هذا المسار قبل أن يتحوّل إلى مشروع وطني مكتمل.

لم تستطع "يناير" تحويل لحظتها الثورية إلى مشروع مستقر قادر على إعادة بناء الدولة والمجتمع

ثم جاءت "ثورة 1919" لتوسّع المجال الوطني من النخبة إلى المجتمع، وتحوّل الاستقلال من مطلب سياسي إلى قضية شعبية، وتفتح المجال أمام الأحزاب والصحافة والبرلمان، وتؤكد أنّ المصريين أصحاب الحقّ في دولتهم. لكنّها لم تستطع تحويل هذا الزخم الوطني إلى دولة مستقلة مكتملة الإرادة وقادرة على مواصلة مشروع التحديث؛ فظلّ الاستقلال منقوصًا، وظلّت الدولة أسيرة توازنات الاحتلال والقصر والقوى الاجتماعية والسياسية.

ومن هنا بدت "يوليو 1952" مختلفةً في حجم طموحها؛ فقد جمعت في مشروع واحد الأسئلة التي ظلّت تتوالد عبر المراحل السابقة. بدأ المسار مع محمد علي بسؤال بناء الدولة الحديثة، وانتقل مع العُرابية إلى سؤال مَن يملك قرار هذه الدولة، واتسع مع 1919 إلى سؤال الاستقلال الوطني والتمثيل السياسي؛ فجاءت "يوليو" لتضيف سؤال المجتمع نفسه: مَن يملك الأرض والثروة وفرص التعليم والصعود، وكيف تتحوّل الدولة المستقلة إلى دولة قادرة على تغيير شروط حياة مواطنيها؟.

لذلك لم تكن "يوليو" مجرّد انقلاب على نظام الحكم الملكي، وإنما محاولة لجمع تحديث الدولة واستقلال القرار الوطني والعدالة الاجتماعية والتصنيع والتعليم في مشروع تاريخي واحد.

حقّقت "يوليو" تحوّلًا اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا عميقًا، ووسّعت قاعدة التعليم والعمل والصعود الاجتماعي، وغيّرت موقع الدولة في الاقتصاد وربطت مصر بمحيطها العربي. لكنّها لم تنجح في تحويل المشروع كلّه إلى مؤسّسات وقواعد سياسية واقتصادية واجتماعية تضمن استمراره بالاتجاه عينه بعد تغيّر القيادة.

تصبح قوة الدولة تاريخية حين تتحوّل إلى قدرة على البناء والتجديد وتوسيع قاعدة الإنتاج والمعرفة والعدالة والمشاركة

وبعد رحيل عبد الناصر، لم تُستأنف التجربة من حيث انتهت، وإنما تغيّر اتجاهها. بدأت الساداتية بسياسات الانفتاح والتحوّلات الاقتصادية والسياسية اللّاحقة في إعادة توجيه أجزاء أساسية من المسار، ثم ترسّخت خلال العقود التالية أنماط حافظت بدرجة أكبر على استقرار الواقع القائم، ففقدت مصر مرة أخرى فرصة تحويل الإنجاز السابق إلى تراكم متصل.

ومع تراكم الأسئلة التي لم تجد طريقها إلى الحل، عادت إلى المجال العام في "يناير 2011" في صورة مختلفة: حرية وكرامة وعدالة ومشاركة. فبعد عقود من انغلاق المجال السياسي، جاءت "يناير" محاولةً لفتح مسار جديد، لكنّها لم تستطع تحويل لحظتها الثورية إلى مشروع مستقر قادر على إعادة بناء الدولة والمجتمع؛ فتداخل الصراع على الدولة مع الصراع حول اتجاه التغيير، وانتهى المسار إلى "3 يوليو 2013" واستعادة الدولة قوتها وسيطرتها على المجال العام.

لكن قوة الدولة، في حدّ ذاتها، ليست مشروع نهضة. تصبح قوتها تاريخية حين تتحوّل إلى قدرة على البناء والتجديد وتوسيع قاعدة الإنتاج والمعرفة والعدالة والمشاركة، وحين يصبح الاستقرار قاعدةً لفتح المستقبل لا غاية مكتفية بذاتها.

وهكذا لا يبدو التاريخ المصري الحديث تاريخَ عجزٍ عن التقدّم، بقدر ما يبدو تاريخَ عجزٍ عن تحويل التقدّم إلى تراكم.

الأمم لا تتقدّم بكثرة البدايات وإنما بقدرتها على أن تجعل كل إنجاز نقطة انطلاق لإنجاز أكبر

في كل مرحلة كانت مصر تفتح سؤالًا جديدًا وتقطع شوطًا حقيقيًّا في الإجابة عنه، ثم ينقطع المسار قبل أن تصبح الإجابة أساسًا للسؤال التالي؛ لا تعود الأجيال إلى نقطة الصفر تمامًا؛ لأنّها ترث آثار ما سبقها، لكنّها تجد نفسها كل مرة مضطرّةً إلى إعادة فتح أبواب كان يُفترض أن تظلّ مفتوحة.

والتاريخ شاهد على أنّ المصريين أثبتوا قدرتهم على البدء مرّات عديدة، لكنّه يعلمنا أنّ الأمم لا تتقدّم بكثرة البدايات، وإنما بقدرتها على أن تجعل كل بداية أساسًا لما يليها، وكل إنجاز نقطة انطلاق لإنجاز أكبر. وربما يكون التحدّي الحقيقي اليوم أن تبدأ مصر من جديد، ولكن هذه المرة مصمّمة على أن تنجو من مصير هذا "التقدّم المغدور"، وأن تعرف كيف تواصل من حيث انتهت!.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن