على سبيل المثال فحسب، فإنّ النتائج الباهرة التي أمكن تحقيقها في حقول الطب (ولربما كان الحال أكثر جلاءً في حقل الجراحة تحديدًا، والجراحة المجهرية تخصيصًا، وكذا في تقنيّات الجراحة عن بُعد بالتحكّم، بواسطة الإرسال الإلكتروني، في روبوت يقوم بعمل الجراحة تحت إمرة ومراقبة طبيب جرّاح يوجد في مكانٍ بعيدٍ عن غرفة الجراحة) أمورٌ تنتهض برهانًا ساطعًا على ما حقّقه الذكاء الاصطناعي من مكاسب وتشي بما يملك أن يحقّقه مستقبلًا.
مجالات من وجودنا الروحي والفكري تظلّ في منأى عن الذكاء الاصطناعي وقدراته الإبداعية
أمّا في ميادين أخرى غير ذلك، ممّا يتصل بالوجود المادّي للإنسان، فالشواهد أكبر من أن تُعدّ وهي قد ظهرت للعيان واضحةً على امتداد العقود الأربعة الماضية (وربما قبل ذلك أيضًا).
ذلك هو الشأن في حقول الهندسة الصناعيّة (قيام الروبوتات بأعمال مختلفة في المصانع، إخضاع سير سلاسل الإنتاج لبرمجة إلكترونيّة...)، وتلك هي الحال أيضًا في مجالات التدبير الإداري، وفي تنظيم حركيّة السير ووسائل التنقّل داخل المدن، وذلك هو الشأن في عمل المطارات وبرامج النقل الجوي وغير ذلك ممّا لا أحسن القول فيه. ثمّ إنّ تدبير الحياة اليومية، في العديد من جوانبه، ممّا لا أحسن القول فيه.
بالجملة فإنّ الذكاء الاصطناعي قد ذهب بعيدًا جدًّا في موضوع تيسير معيشة الإنسان وفي أمور شتّى، في سبيل تيسير حياة الإنسان وإسعاده فهو يبلغ درجةً تجعل البعض يقول - أو يميل إلى القول - إنّ الأمر قد يصل بالذكاء الاصطناعي إلى بلوغ رتبةٍ من التطوّر ومن السهولة واليسر وسرعة الانتشار ما يجعل من الذكاء لا مجرّد ظهير للإنسان وقدرات تسخّر من أجل تسهيل الكثير ممّا شقّ وصعب من معيشه إلى بلوغ رتبة من التطوّر يغدو في إمكان الذكاء الاصطناعي أن ينوب عن عمل العقل البشري بل - ولم لا - أن يجعله في حال انصرافٍ تامٍّ عن عمل التفكير والتدبير إذ إنّه يفكر ويدبر مكانه وعوضًا عنه. تلك قضية أخرى، سبق منّا القول في جوانب منها في حديث سابق، وما ذاك بموضوعنا اليوم. فهل هناك برهان أكثر صدقًا على قدرة الذكاء الاصطناعي على الإبداع؟.
الذكاء الاصطناعي لا يملك أن يطول مجالات الإبداع الشعري والفلسفي والروائي والفني
قلت في الجملة الأولى من حديثي هذا إنّ اقتدار الذكاء الاصطناعي على الإبداع لا يفيد الشمول والإطلاق، وقولي يفيد، في عبارة أكثر مباشريّة ووضوحًا، إنّ مجالات من وجودنا البشري، الروحي والفكري، تظلّ في منأى عن الذكاء الاصطناعي وقدراته الإبداعيّة، لا بل إنّها تدق عنها وتفلت من إسارها. تلك هي خلاصة الرأي الذي سأسعى إلى بسطه في أحاديث مقبلة، متى تيسّر ذلك، بيد أنّني أكتفي اليوم بالتنبيه، في قولٍ جامع، إلى أنّ الذكاء الاصطناعي مهما يكن من اتساع سلطانه، لا يملك أن يطول مجالات الإبداع الشعري والفلسفي والروائي، وكذا الإبداع الفني من حيث هو رسمٌ ونحتٌ ومن حيث هو إبداع اللحن الموسيقي، مثلما أنّ الحياة الروحيّة للإنسان، في تجلّياتها المختلفة، خارج دائرة المتوهّم والمعقول معًا.
على أنّ ما أدّعيه - باعتباري صاحب "دعوى"، أي قضية تستوجب إسنادها بالحجّة والبرهان كما يقول المتكلمون وأهل المنطق - لا يتعارض مع معطى موضوعي، لا سبيل إلى إنكاره. وهذا المعطى هو أنّ قدرات الذكاء الاصطناعي تستطيع مجاوزة مجرّد الوقوف عند عتبات المجالات الفكريّة والروحيّة، ممّا أشرت إليه، بل إنّها تذهب أبعد من ذلك. ولعلّي، دفعًا لما قد يتوهّم في هذا القول من تهافت، ألمح إلى قضيّة محوريّة في الكتابة الإبداعيّة: تلك التي تتعلّق باللغة وأوجه استعمالها وترجع إلى وجوب التمييز، في حديث اللغة والكتابة، بين ما يستطيعه الذكاء الاصطناعي في ذلك، وبين ما يفلت من قبضته، فلا يقدر على إدراك كنهه والمساس به.
(خاص عروبة 22)

