الأمن القومي العربي

الحرب في القرن الأفريقي: كيف تحسب مصر موقفها؟مخاوف من تداخل صراع البحر الأحمر مع أزمة السدّ الإثيوبي

تقترب إثيوبيا وإريتريا على ما يبدو من مواجهة عسكرية جديدة، وسط تصاعد القتال في إقليم "تيغراي" وتبادل الاتهامات بشأن دعم الجماعات المسلّحة، بالتوازي مع تجدّد الخلاف حول طموحات أديس أبابا للوصول إلى البحر الأحمر. وفي قلب هذه المعادلة، تجد مصر نفسها أمام تحدٍّ إقليميٍّ يتجاوز خلافها المائي مع إثيوبيا، ليشمل توازنات منطقة القرن الأفريقي، على خلفيّة اتهام أديس أبابا للقاهرة بدعم خصومها، وهو ما نفته مصر، بينما تعزّزت اتصالاتها مع إريتريا والسودان والصومال.

الحرب في القرن الأفريقي: كيف تحسب مصر موقفها؟
مخاوف من تداخل صراع البحر الأحمر مع أزمة السدّ الإثيوبي

تعكس تصريحات يِماني قبر مسقل، وزير الإعلام الإريتري، اتساع الهوة بين أسمرة وأديس أبابا، فقد ربط بين تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بشأن بناء قوة بحرية، والتصريحات المنسوبة إلى قائد القوات الجوية الإثيوبية بشأن مدينة عصب الإريترية، معتبرًا أنّها تكشف عن توجّهٍ للاستيلاء على منفذ بحري بالقوة.

واتهم الحزب الحاكم في إثيوبيا بإنفاقٍ عسكريّ غير مسبوق، مشيرًا إلى تلقّيه 365 شحنةً إماراتيةً من البضائع والمعدّات العسكرية، وأكثر من 30 مليار دولار من المساعدات الخارجية، على الرغم من استمرار اعتماد نحو 21.4 مليون إثيوبي على المساعدات الإنسانية.

إثيوبيا تنقل أزمتها الداخلية إلى مصر وإريتريا

في المقابل، تصرّ إثيوبيا، التي فقدت منفذها البحري بعد استقلال إريتريا عام 1993، على أنّ الوصول إلى البحر يُمثّل مصلحةً استراتيجيةً أساسية، مع تأكيدها السعي إلى تحقيق ذلك بالوسائل السلميّة.

لكنّ الأزمة لم تعد محصورةً في الخلاف على المنفذ البحري، بعدما تجدّد القتال في تيغراي، واتهمت أديس أبابا إريتريا بدعم "جبهة تحرير شعب تيغراي" والتدخّل عسكريًا داخل الأراضي الإثيوبية، وهي اتهامات تنفيها أسمرة.

وتصاعد التوتّر الديبلوماسي مع قطع العلاقات الديبلوماسية وتبادل الطرفَيْن الاتهامات بشأن المسؤولية عن التصعيد، وسط مخاوف من تحوّل الاشتباكات إلى حربٍ مباشرة.

ونقلت إثيوبيا أزمتها الداخلية إلى مصر وإريتريا، إذ اتهم رئيس أركان الجيش الإثيوبي، برهانو جولا، إريتريا بتقديم الدعم لجبهة تحرير شعب تيغراي، وأشار إلى احتمال مساندة مصر والسودان للقوى المناوئة للحكومة الإثيوبية.

لكن بدا واضحًا أنّ القاهرة تفصل بين خلافاتها الاستراتيجية مع أديس أبابا وبين الصراع الداخلي الإثيوبي، حيث نفى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي علاقة بلاده بما يجري داخل إثيوبيا، واعتبر أنّ الأزمات الإثيوبية ترتبط بمشكلات داخلية.

احتمالات الحرب

لكن هذا لا يعني أنّ القاهرة تنظر إلى التطوّرات باعتبارها شأنًا إثيوبيًا داخليًا لا يمسّ مصالحها.

وترى "مجموعة الأزمات الدولية" أنّ مصر والجيش السوداني يبدوان مستعدَّيْن لمساندة إريتريا إذا اندلعت الحرب، لكنّها تشدّد على أنّ حجم الدعم الذي يمكن أن يقدّماه لا يزال غير محسوم. وفي المقابل، تتوقّع أن تُقدّم الإمارات مزيدًا من الأسلحة إلى إثيوبيا، بينما قد تميل السعودية إلى دعم إريتريا إذا اتسع الصراع وتَهدّد أمن البحر الأحمر، وتُحذّر من أنّ تداخل هذه الاصطفافات قد يفتح الباب أمام مواجهة تتجاوز حدود البلدَيْن، داعيةً القوى الإقليمية والدولية إلى الضغط لمنع التصعيد واحترام سيادة الدول.

ويتعزّز التقارب المصري - الإريتري في ظلّ التوتّر مع إثيوبيا، حيث لا يمكن فصل الحسابات المصرية عن الخلاف المستمر بشأن سدّ النهضة، الذي تخشى القاهرة تأثير تشغيله في تدفّقات مياه النيل، خصوصًا خلال فترات الجفاف، وتُطالب باتفاق قانوني مُلزم ينظم الملء والتشغيل، بينما تعتبره أديس أبابا مشروعًا استراتيجيًّا للتنمية وتوليد الكهرباء، وتتمسّك بحقّها في استغلال موارد النيل الأزرق.

وساطة أميركية

وبدا أنّ هناك مؤشرات على وساطة أميركية جديدة لحلّ هذا الملف، بعدما قال مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترامب للشؤون العربية والأفريقية، ردًّا على سؤال لـ"عروبة 22" إنّ واشنطن تعمل على ما وصفه بهذا "الملف المهم". وردًّا على سؤال بشأن احتمال عقد اجتماع جديد بين القاهرة وأديس أبابا برعاية أميركية، اكتفى بولس بالقول "إن شاء الله" من دون تحديد موعد لاجتماع أو بدء ترتيبات فعلية لاستئناف المفاوضات.

في المقابل، يرى محمد نصر علام، وزير الموارد المائية والري المصري الأسبق، أنّ التحرّكات الأميركية ينبغي أن تُقرأ في سياقٍ أوسع يشمل تنافس النفوذ في القرن الأفريقي، لكنّه يُشكك في أن تؤدّي وحدها إلى تغيير جوهري في مسار الخلاف.

وأضاف، وفقًا لتقييمه، أنّ الولايات المتحدة تسعى إلى تهدئة التوتّر في القرن الأفريقي في ظلّ تداخل المصالح الإقليمية، لكنّه لا يرى أنّ ذلك وحده كافٍ لإحداث تحوّلٍ ملموسٍ في الخلاف بشأن السدّ.

اندلاع حرب واسعة لن يضمن لمصر مكاسب في ملف السدّ وقد يُضيف إلى خلافها المائي أزمة أمنية

وشدّد علام على أهمية متابعة التحرّكات الإثيوبية في المنطقة، معتبرًا أنّ قضية سدّ النهضة لا يمكن فصلها عن التطوّرات الأوسع في القرن الأفريقي، بما في ذلك التنافس على النفوذ والوصول إلى البحر الأحمر.

وأشاد علام بطريقة تعامل المؤسّسات الأمنية المصرية مع التطوّرات الإقليمية، معتبرًا أن القاهرة تتعامل بحذر مع مشهد إقليمي معقّد.

وتواجه مصر احتمال الحرب الإثيوبية - الإريترية باعتباره تطوّرًا قد يُعيد تشكيل التوازنات المحيطة بالبحر الأحمر ويزيد تعقيد خلافها مع إثيوبيا، فيما تعتمد حماية مصالحها على الجمع بين التنسيق الإقليمي والتحرّك الديبلوماسي، مع إبقاء باب التسوية مفتوحًا... أما اندلاع حرب واسعة فلن يضمن لمصر مكاسب في ملف السدّ، وقد يُضيف إلى خلافها المائي أزمة أمنية يصعب احتواء تداعياتها!.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن