خطوة النظام في إخلاء عناصره من الحدود كان هدفُها الرئيس إفساح المجال لتسلّل عناصر من تنظيمات إسلامية مُتطرّفة تنتمي إلى "القاعدة" وأخواتها، وأي عناصر مسلحة راغبة في التدخّل في سوريا، وهذا من شأنه تقوية دعاية وادّعاءات النظام، أنّ ما يحصل في سوريا هو تمرّد جماعات إسلامية متطرّفة ومسلحة، وأنّ ثوار سوريا ليسوا سوى عناصر من "القاعدة" وأخواتها، وأنّ شعارات الحرية والعدالة والمساواة مجرّد ستار يخفي تطرّف التمرّد والمسلحين، وأنّ النظام في حربه ومواجهته لهؤلاء إنما يُحارب الإرهاب وعنف الجماعات الإسلامية المتطرّفة وتدخّلاتها للاستيلاء على السلطة في سوريا.
المقاتلون القادمون إلى سوريا لم يكن لهم هدف واحد
قاعدة النظام في تعامله مع النقاط الحدودية، كان لها استثناء. ففي وقتٍ أفلت المراكز الحدودية مع تركيا والأردن وبعض النقاط مع العراق ولا سيما مع "إقليم كوردستان" العراق، تشدّد النظام في إمساك النقاط الحدودية مع لبنان ونقاطٍ على الحدود مع العراق التي كانت ميليشيات إيران وأدواتها تتوجّه من خلالها إلى سوريا لمشاركة النظام في الحرب على السوريين، وكانت المعابر مع لبنان ممرًّا لميليشيات "حزب الله" و"الزوبعة" وغيرها، فيما كانت المعابر مع العراق ممرًّا لميليشيات "الحشد الشعبي" العراقي و"فاطميون" الأفغانية وغيرها من الميليشيات الإيرانية.
وإذا كانت ميليشيات إيران وأدواتها التي دخلت سوريا هدفُها القتال مع النظام وحمايته، فإنّ القادمين إلى سوريا من المقاتلين الآخرين، لم يكن لهم هدف واحد، بل ولم يكونوا من بلد واحد ولا من بلدان متقاربة ومتجانسة سياسيًا وأيديولوجيًا. فقد كان بينهم عربٌ وكردٌ وجنسيات أخرى قدموا من الأردن والعراق وبلدان الخليج وشمال أفريقيا، وجاء بعضهم من تركيا ودول الاتحاد الروسي ومن بلدان أوروبية منها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، إضافةً إلى وافدين من الولايات المتحدة وكندا والصين، ووفق التقديرات الشّائعة فإنّ الوافدين إلى سوريا في سنوات الحرب ينتمون إلى نحو مئة جنسية.
سقطت مبرّرات وجودهم بعد ولادة السلطة الجديدة
لم تكن أهداف الوافدين واحدة؛ بعضهم جاء لـ"نصرة الشعب السوري"، لكنّ هدفًا كهذا فيه كثير من الالتباس بحكم ما في الواقع من افتراقات سياسية وأيديولوجية وصراعات وصدامات بين التنظيمات المسلحة التي انخرط فيها هؤلاء، وهناك قادمون آخرون كانت لهم أهداف أخرى، مغامرون، وباحثون عن شهرة وثروات، ومنتمون إلى عصابات إجرامية، وضباط في أجهزة أمنية، والبعض له غايات وأهداف أصغر من ذلك بكثير.
ولئن غلبت المسحة "الإسلامية" المتشدّدة على الوافدين إلى سوريا، فقد تمركز القسم الرئيس منهم في عضوية "داعش" و"جبهة النصرة"، وأقلّية من الوافدين ذهبوا إلى تنظيمات أخرى، وغالبًا ما تشكّلت في التنظيمات الرئيسية مجموعات تتصل بجنسيات الوافدين مثل الحزب الإسلامي التركستاني، وفرقة الغرباء الفرنسية، والكتيبة الألبانية وغيرهم.
لقد تعرّض المقاتلون الأجانب والعرب في سنوات العقد الماضي إلى هزّتين كبيرتين في سوريا: كانت أولاها الحرب على "داعش" والتي شهدت فصولًا عدةً آخرها حرب "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) والتحالف الدولي ضدّ "داعش" التي انتهت عام 2019 في الباغوز حيث قُتل مئات من المقاتلين من الطرفَيْن، واعتقل مئات وفرّ مثلهم من الدواعش الوافدين؛ وجاءت الهزّة الثانية بعد سقوط نظام الأسد عام 2024، ونتيجة الحدث، سقطت مشروعيّة ومبرّرات وجود المسلحين الوافدين خاصّةً بعد ولادة السلطة الجديدة، وقيامها بتشكيل مؤسّساتها العسكرية والأمنية، وتوقيع اتفاق السلطة الجديدة مع "قسد" على حلّ القوات ودمجها في مؤسّسات الدولة السورية على غرار ما حدث في إدخال أعداد من المقاتلين الوافدين ممّن كانوا في صفوف الجماعات الإسلامية المنضوية في غرفة ردّ العدوان.
مستقبلهم في سوريا يزداد غموضًا في ظلّ عدم قدرتهم على العودة إلى البلاد التي قدموا منها
غير أنّ بعضًا من المقاتلين الوافدين وبعد كل التطوّرات السابقة، ما زالوا موجودين في سوريا، وأغلبهم مقيمون في الشمال السوري، ويتمركز الكردُ منهم في الشمال الشرقي والباقون في الشمال الغربي، وقسم كبير من الأخيرين موجود في معسكرات ومخيّمات تخصّهم، ولديهم أشكال تنظيمية وقيادات محلية وأسلحة.
وفي ظلّ الوضع القائم، لا تبدو هناك آفاق واضحة بشأن مستقبل المقاتلين، بحيث لم يعد لوجودهم المسلّح أي معنى ولا لسلاحهم، ومن الواضح أنّهم أبعد عن الاندماج في الواقع المحلي لأسباب كثيرة، الجزء الأساسي منها يتعلّق بهم ومنها الاختلافات اللغوية والاجتماعية ونمط حياتهم، ودورهم الذي عاشوه في خلال عقد ونصف العقد، وهذا بعض ما يجعل مستقبلهم في سوريا غامضًا، ويزداد غموضًا في ظلّ عدم قدرة هؤلاء على العودة إلى البلاد التي قدموا منها، كما لا يمكن خروجهم على شكل جماعات إلى بلدان أخرى، حيث عيون الدول وأجهزتها ولا سيما دولهم تتابع أوضاعهم وترصد كل ما يمت لهم من حركات.
الرهان على الوقت سيُراكم مشاكل تؤدي إلى انفجار من الصعب تقدير وقته ومحتواه ونتائجه
وسط تعقيدات الوضع، ثمّة رهانات على الوقت من أطراف معنيّة، لعل السلطات السورية أبرزها، لكنّ هذا الرهان خيار بائس، فوضع المقاتلين وعائلاتهم يزداد صعوبةً ويتفاقم، ومن الواضح أن السلطات السورية لا تملك القدرة ولا الرغبة في علاج جذري للموضوع الذي لا شكّ أنّه سيُراكم مشاكل تؤدّي إلى انفجار من الصعب تقدير وقته ومحتواه ونتائجه!.
(خاص عروبة 22)

