قد يتصوّر البعض أنّ تفضيل خيار السلام تحت الابتزاز الاقتصادي لتلك المُسيّرات والصواريخ الفرط صوتية، ينطوي ضمنًا على تنازلاتٍ من قبل الأطراف التي تملك منشآت اقتصادية كبرى ذات قيمة اقتصادية عملاقة، أو تتدفّق إليها أعداد كبيرة من السياح الأجانب، أو تقوم بدور كبير في تجارة الترانزيت التي تصبح مهدّدةً بالتوقّف كليًا أو جزئيًا إذا استُهدفت الموانئ والمطارات ومراكز التخزين التي تتمّ من خلالها تلك التجارة. لكنّ ذلك التصوّر قاصر إلى حدٍّ كبير، لأنّ الأطراف التي تملك منشآتٍ اقتصاديةً عملاقةً لديها بالضرورة قوة عسكرية يمكنها إيقاع دمار مروّع بالطرف الذي يعتمد على استهداف المنشآت المدنية بمُسيّراته.
على الرغم من التفوّق العسكري الروسي على أوكرانيا إلا أنّ الحرب مستمرّة للعام الخامس من دون نصر حاسم
الشواهد على ذلك واضحة في مسار الحروب المُشار إليها، ففي أوكرانيا المعتمِدة بصورة أساسية على المُسيّرات، تمّ استهداف المنشآت النفطية والصناعية العملاقة والموانئ والمطارات والجسور الاستراتيجية وخطوط نقل النفط، وخط "نورد ستريم 2" لنقل الغاز الروسي لأوروبا. وكان الردّ الروسي أكثر قسوةً على المنشآت الأوكرانية الأقلّ قيمة، لكن الأضرار جسيمة على الطرفَيْن. وصحيح أنّ روسيا كان من الممكن أن تُعفي نفسها من تلك الحروب الاقتصادية ومن استهداف عاصمتها بما فيها قصر الرئاسة (الكرملين)، لو وضعت خطوطًا حمرًا، بالتهديد باستخدام رادعها النووي إذا تجاوزتها أوكرانيا، لكنّها لم تفعل.
هل كانت أميركا لتستخدم الخيار النووي لو تعرّضت عاصمتها وبيتها الأبيض للعدوان؟
لو تصوّرنا أنّ الولايات المتحدة هي التي دخلت حربًا مع أحد جيرانها (كندا أو المكسيك)، هل كانت ستمتنع عن استخدام الخيار النووي كما امتنعت روسيا عن ذلك، أم أنها كانت ستستخدم الرادع النووي إذا طالت الحرب عاصمتها وبيتها الأبيض؟.
على الأرجح وربّما المؤكّد أنّها كانت ستفعل ذلك، ولها تاريخ أسود في استخدام السلاح النووي حتى من دون ضرورة عسكرية حقيقية كما حدث في الحرب العالمية الثانية، في مواجهة اليابان المنهارة عسكريًا على كل الجبهات. كما استخدمت اليورانيوم المنضّب وربما القنابل النووية التكتيكية في عدوانها على العراق وبخاصّةٍ في معركة بغداد.
بنك الأهداف الاقتصادية الروسية العملاق والمُسيّرات الأوكرانية زهيدة الثمن
ليس هناك مجال للمقارنة بين ثقل وضخامة الأهداف الاقتصادية الموجودة في روسيا وتلك الموجودة في أوكرانيا، وهو ما يجسّده الفارق في الناتج. ففي عام 2025، بلغ الناتج المحلي الإجمالي الروسي المحسوب بالدولار وفقًا لسعر الصرف السّائد، نحو 2076 مليار دولار، مقارنةً بنحو 206 مليار دولار لأوكرانيا.
وبلغ الناتج المحلي الإجمالي الروسي المحسوب بالدولار وفقًا لتعادل القوى الشرائية (الناتج الحقيقي) نحو 7192 مليار دولار، مقارنةً بنحو 690 مليار دولار لأوكرانيا. وهذا يعني أنّ الأهداف الاقتصادية الموجودة في روسيا، أضخم كثيرًا من تلك الموجودة في أوكرانيا. وقد أوقع تمدّد الحرب إلى القطاع المدني خسائر اقتصادية كبيرة لروسيا.
روسيا تحتاج إلى السلام لحماية منشآتها الاقتصادية الكبرى ما قد يجعلها تقبل المبادرات المطروحة أميركيًا مع تعديلات
وعلى الرغم من التفوّق العسكري الروسي على أوكرانيا المدعومة بشكل شامل من دول حلف شمال الأطلنطي (الناتو)، إلّا أنّ الحرب مستمرّة للعام الخامس من دون نصر حاسم، لأنّ روسيا للعديد من الاعتبارات الاجتماعية والدولية، لم تلجأ إلى الخيار النووي. وصحيح أنّها لن تتنازل عن تحقيق الأهداف التي وضعتها للحرب مثل استعادة أقاليمها التي تمّ ضمّها إلى أوكرانيا إداريًا في زمن الاتحاد السوفيتي، وضمان حياد أوكرانيا وعدم انضمامها إلى حلف شمال الأطلنطي، لكنّها تحتاج إلى السلام لحماية اقتصادها ومنشآتها الاقتصادية الكبرى، ما قد يجعلها تقبل المبادرات المطروحة أميركيًا مع بعض التعديلات كي تقترب من الأهداف الروسية من الحرب.
السعودية واليمن... هل ترجّح الأضرار الاقتصادية فرصة للسلام؟
لو طبّقنا المنطق نفسه على السعودية واليمن، فإنّ الناتج المحلي الإجمالي السعودي المحسوب بالدولار وفقًا لسعر الصرف السائد، بلغ 1084 مليار دولار عام 2025، مقارنةً بنحو 17,4 لليمن كله، والذي يعادل نحو 1,6% فقط من نظيره السعودي. وبلغ الناتج المحلي الإجمالي السعودي المحسوب وفقًا لتعادل القوى الشرائية (الناتج الحقيقي) نحو 2230 مليار دولار، مقارنةً بنحو 70 مليار دولار لليمن أي نحو 3,1% من نظيره السعودي. كما أنّ القيمة الاقتصادية للمجمّعات الصناعية السعودية العملاقة للتكرير والبتروكيماويات، وخطوط نقل النفط والغاز، تفوق بمليارات المرّات، قيمة المُسيّرات والصواريخ الفرط صوتية اليمنية التي يمكن أن تستهدفها، بينما تبدو الأهداف الاقتصادية اليمنية محدودةً أو حتى هامشيّةً مقارنةً بنظيرتها السعودية.
التدمير المتبادل يشكّل استنزافًا مستمرًّا يوجع الاقتصادات الكبيرة حتى ولو كانت هي الأقوى عسكريًا
ووفقًا لحسابات المنطق والعقل، فإنّ طول زمن الحرب المشتعلة منذ ما يقرب من اثني عشر عامًا، يعني أنّ حسمها عسكريًا أمر صعب، وأنّ تكلفتها الاقتصادية والإنسانية باتت باهظة، وتدفعها المجتمعات والاقتصادات العربية، وبالتالي فإنّ هناك ضرورة لإعطاء السلام فرصة على قواعد القانون الدولي، والاحتكام للشعب اليمني لتقرير مصيره وشكل دولته ودستوره والعلاقة بين شماله وجنوبه ومَن يحكمه، من خلال المفاوضات وصناديق الاقتراع النزيهة تحت إشراف عربي ودولي.
لقد أصبح تبادل التدمير بين الكبار والصغار عسكريًا في عصر حروب المُسيّرات، أمرًا واردًا تمامًا طالما لم يكن لدى الكبار أسلحة دمار شامل، أو لم يستخدموها لأي سبب، ما يجعل الخيار الأكثر عقلانية ومنطقية هو محاولة الوصول إلى سلام بين المتصارعين لتفادي استمرار التدمير المتبادل الذي يشكّل استنزافًا اقتصاديًا مستمرًّا يوجع الاقتصادات التي تمتلك أهدافًا اقتصادية كبيرة، حتى ولو كانت هي الأقوى عسكريًا!.
(خاص عروبة 22)

