لا يكاد يمر يوم على سوريا منذ انطلاق المرحلة الانتقالية دون أن تختبر الأحداثُ إرادة السوريين في بناء بلدهم ومواجهة التحديات بصلابة تحفظ كرامتهم بما يليق بتضحياتهم التي لا تتوقف، وكان آخرها ارتقاء شهداء مدنيين أبرياء في هجمات جوية شنها سلاح الجو الأردني في عدة مناطق بريف درعا، بذريعة استهداف مواقع لمجموعات إرهابية. ولأن الحدث كان دموياً وفاجعة إنسانية، فقد شكل اختباراً خطراً للعلاقات السورية الأردنية، وصدمة للسوريين الذين نظروا إلى الأردن دائماً باعتباره ملجأ آمناً، وبات بعد التحرير وسقوط النظام البائد شريكاً موثوقاً في الأمن والاستقرار، لا مصدر تهديد.
إن نتائج وتداعيات هذه الضربة الدموية الجوية الأردنية، تفرض قراءتها في سياقها الأمني والسياسي والقانوني، فما جرى لا يمثل خرقاً للسيادة السورية فحسب، بل يكشف عن بنية قرار متعجل بتنفيذ الضربات، تشكلت دوافعه تحت ضغط داخلي أردني، ومعلومات غير دقيقة، ولا يجوز استبعاد فرضية سعي جهات وأطراف تجد لها مصلحة في توتير العلاقات السورية الأردنية.
فالقراءة الأمنية المتأنية تكشف أن القرار الأردني الذي يفترض أنه استند إلى معلومات استخبارية، وهي أداة قابلة للتشويه، ربما يكون قد بُني على معلومة مغرضة قُدّمت لصاحب القرار بطريقة تستغل حاجته إلى رد عاجل، والأردن نفسه تبنى الضربات علناً وعلى كل المستويات قبل أن يتحقق من نتائجها على الأرض، وهو سلوك يوحي بأن البُعد الإعلامي الداخلي كان حاضراً بقوة في توقيت الإعلان، إن لم يكن في التخطيط نفسه.
وبقراءة أكثر عمقاً، نوضح الآتي: تمكنت القوى الأمنية الأردنية من القبض على منفذي هجوم كنيسة الكرك صباح يوم الإثنين بعد اشتباك مسلح، ويبدو الفاصل الزمني بين اعتقال المشتبه بهم وتنفيذ الضربات في سوريا مساءً في اليوم نفسه قصيراً جداً قياساً بما تتطلبه المعلومات المستخلصة من تدقيق وتمحيص، ومقاطعتها بمصادر موثوقة، لتصبح صالحة لبناء قرار سيادي خطير. والقرار بقصف مواقع في دولة مجاورة يحتاج، فوق ذلك، إلى تقدير مكتمل للتهديد، وتشاور سياسي، وتحضير عملياتي، وهي مراحل يصعب استكمالها في ساعات قليلة، ما يجعل القرار مبنياً على تقدير غير ناضج.
ويضاف إلى ذلك غياب التنسيق مع الجانب السوري؛ وإبلاغ دمشق عبر القنوات القائمة وطلب معالجة المعلومات والتهديدات داخلياً، أو على الأقل تنسيق التحرك الميداني، وهذا يعني أن طريقة إدارة القرار تحمل مؤشرات خلل إجرائي، وتطرح أسئلة مشروعة عن سبب الاستعجال، وعن الجهة التي قدّمت المعلومة، ومدى دقتها، والمسؤولية عن الأساس غير الصلب الذي بُنيت عليه الضربات. ومن الواضح أن استسهال قصف العمق السوري لامتصاص غضب داخلي هو تكتيك قاصر يضر بأمن البلدين، والاستقرار في المنطقة، ويهدم جسور الثقة التي بُنيت بعمل وجهد كبيرين.
وفي المستوى القانوني، فإن حماية الأمن القومي للدول لا تدار باستنساخ الانتهاكات أو استسهال قصف العمق الجغرافي للدول المجاورة؛ فالقانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة الناظمة لسيادة الدول الأعضاء والقوانين الحاكمة للعلاقات الدولية، وضعت محدِّدات صارمة تحظر تماماً أي تحرك عسكري استباقي خارج الحدود، وتعتبر التذرع بالهواجس الأمنية من دون الحصول على موافقة رسمية صريحة وتنسيق ميداني مسبق ومتكامل مع الدولة المعنيّة، خرقاً مرفوضاً لأسس الاستقرار السياسي والسيادة المتكافئة بين الدول.
والهجمات نُفذت دون أي تنسيق مسبق مع الجانب السوري، بحسب ما أكدته وزارة الخارجية السورية وبيان الحكومة، وهذا ليس تفصيلاً إجرائياً، بل جوهر المسألة القانونية. فحتى لو سلّمنا جدلاً بوجود تهديدات، فإن مواجهتها داخل أراضي دولة أخرى تتطلب إما موافقة تلك الدولة أو تفويضاً دولياً. ويضيف القانون الدولي الإنساني طبقة أخرى من الحماية في مثل هذه الحالات، من خلال وجوب الالتزام بمبدأ التمييز بين المقاتلين والمدنيين، ومبدأ التناسب في استخدام القوة، ومبدأ الاحتياطات اللازمة لتجنب إيذاء المدنيين. وسقوط نساء وأطفال في ريف درعا يشير إلى أن هذه المبادئ لم تُحترم، بغض النظر عن أي ادعاءات بوجود أهداف عسكرية، ما يجعل هذه الضربات العشوائية الدموية تجاوزاً خطيراً للأعراف الدولية المعتمدة.
وعلى الصعيد السياسي، يعبر الغضب السوري الرسمي والشعبي الواسع عن خشية مبررة من أن يصبح هذا النوع من الردود العسكرية العشوائية المتعجلة وسيلة متكررة لتصدير الأزمات الداخلية، والسوريون إذ يدينون الإرهاب الذي ضرب الكرك، فهم لا يقبلون تحويل التعاطف مع ضحايا الأردن إلى دماء سورية. ويتأسس الموقف السوري من هذا الاستهداف على منطلق سيادي وأخلاقي في آن معاً، لا يقبل التجزئة، فسوريا قيادة وشعباً تشجب الأعمال الإرهابية والاعتداءات التي تستهدف أمن الجوار الإقليمي، ومنها الهجوم الذي طاول الكنيسة في الكرك الأردنية، وهو التزام إنساني ومبدئي ثابت لا مساومة عليه.
بيد أن هذا الاعتداء لا يمنح أي طرف مسوغاً قانونياً أو ذريعة إجرائية أو تفويضاً لتجاوز الحدود، والقيام بعمليات عسكرية تزهق أرواح مدنيين أبرياء تحت شعار مكافحة التطرف، خاصة أن قدرات السلطات السورية جديرة بالثقة للتحرك بمفردها أو بالتعاون والتنسيق مع الطرف الأردني لمواجهة التهديدات، وهو تنسيق مجرب سابقاً وحقق نتائج إيجابية يشهد بها الطرف الأردني في مجال مكافحة تهريب المخدرات وعصابات الجريمة المنظمة. وتشكل هذه الضربات وما خلفته من ضحايا مدنيين، خطراً جدياً على العلاقات السورية الأردنية التي شكلت بعد تحرير سوريا من نظام الأسد مثالاً ناجحاً للعمل العربي المشترك بمواجهة تحديات صعبة.
ويكشف بيان وزارة الخارجية السورية الصادر في اليوم الثاني للهجمات توجهاً ناضجاً في التعامل مع حدث كبير مؤلم، فالبيان الذي أدان بأقسى العبارات ما اعتبره خرقاً صريحاً لمبادئ حسن الجوار والسيادة الوطنية السورية، وينافي أطر العمل والتنسيق المشترك، أظهر بالمقابل حرص القيادة السورية على تبني قراءة ناضجة للحدث، من خلال الإشارة إلى خطر سعي أطراف مشبوهة لتعكير صفو العلاقات الأخوية المتميزة بين البلدين، وزرع الفتنة وتوتير الأجواء وإشعال الأزمات بين الأشقاء.
ومن الضرورة التأكيد أن إدانة السلطات السورية لهذه الهجمات، والمطالبة بفتح تحقيق لتحديد المسؤوليات، والالتزام مستقبلاً بآليات التنسيق المشترك، هو تفعيل للأدوات السيادية القانونية في مواجهة هذا التجاوز، ولا يعني بأي حال الانزلاق إلى التحريض أو قطع الجسور مع المملكة الأردنية، التي تدرك سوريا أهمية التعاون معها لضمان الأمن الإقليمي واستقرار البلدين، والحفاظ على ما بُني بين الشعبين من علاقة جديرة بالحماية والتعزيز.
(الثورة السورية)

