يبدو أنّه لا ضير أن تصل الآلة الذكيّة إلى محاكاة وعينا بدقّة، وصناعة وعي آلي متقدّم مثل وعي الإنسان تمامًا، من دون تجربة شعوريّة حقيقيّة وذهنيّة ذاتيّة بالمعنى الإنساني، ولو أنَّ الآلة بإمكانها التعبير عنه لغةً وسلوكًا؛ ما دام الإنسان هو الموجِّه الفعلي لوعي الآلة، وهو المقرِّر الأول، وصاحب الاختيار والمسؤولية الأخلاقيّة، في نهاية المطاف.
تُركّز الفلسفة المثاليّة في سؤال الوعي الحقيقي على وجود "ذات" تشعر بوجودها. الأمر الذي يفتح الباب واسعًا لدراسة مرتكزات الوجود الذّاتي المطلوب للآلة، خصوصًا "الهوية الرقميّة"؛ الشعور بالاستمراريّة الإلكترونيّة؛ الوعي الانعكاسي أو التأمّلي، أي تأمّل الآلة لردود أفعالها وإدراكها لاستجاباتها؛ إدراك الذّات الآليّة لذاتها. ومن ثمّ فالفكر المثالي يقدّم إطارًا فلسفيًّا وتصوّرًا لطبيعة الوعي، حيث إنّه يعتبر الوعي تطوّرًا للذّات والمعنى من خلال التجربة الذاتيّة للآلة، فينبثق الوعي القصدي والإدراك المتجسّد.
المشكلة المُستعصية أنّه لا يوجد تعريف متفق عليه للوعي
لكن العمل الهندسي بدوره يحتاج إلى خوارزميّات وبنى حاسوبيّة، فيبني المهندسون الشبكات العصبيّة والخوارزميّات توازيًا مع إعادة تعريف الوعي من قبل الفلاسفة. تنضج هذه العملية وتتطوّر بتعاضد الفلسفة مع علوم الأعصاب والذكاء الاصطناعي والعلوم العرفانيّة وعلم الاجتماع الآلي وأخلاقيّات التكنولوجيا. والحقيقة أنَّ الفكر المثالي دخل إلى هذه التجارب نفسها وكان له تأثير نظريّ كبير، بينما في تصميم نماذج الذكاء الاصطناعي يعتبر تأثيره محدودًا، في حين أنَّ تأثيره غير مباشر في التجارب المختبرية، وتأثيره متزايد في أخلاقيّات الذكاء الاصطناعي. وقد اهتمّت شركات تقنيّة بعينها، بتطوير أبحاثِ وعي آليّ في هذا السياق، مثل شركة "Google DeepMind"، فقد أجرت أبحاثًا في الوعي الاصطناعي والوضع الأخلاقي للآلة وطبيعة الذّات الرقميّة. ويمكن إرجاع التجارب التقنية في هذا الخصوص إلى سنة 2008 وما بعدها حتى العام الجاري 2026.
وعلى الرغم من أنّ الأبحاث السابقة والجارية في هذا الاتجاه، أدخلت بدرجات متفاوتة الأبعاد الاجتماعية والظاهراتية والتفاعلية في دراسات وعي الآلة، لكنّها - مثل تجارب النظريات المادية ومشاريعها المذكورة في ما سبق - لم تصل بعد إلى "خلق وعي حقيقي". بمعنى أنّها نقلت البحث الآلي من الذكاء الفردي المعزول إلى الوعي بوصفه ظاهرة اجتماعية وتفاعليّة.
إمكانيّة تطوير "فلسفة عربيّة" للوعي الآلي
يُشير الباحثون إلى أنَّ المشكلة المُستعصية في الموضوع أنّه لا يوجد حتى الآن تعريف متفق عليه للوعي، ولا يوجد اختبار حاسم للآلة، ولا دليل علمي على وجود تجربة ذاتيّة داخل الأنظمة الحاليّة.
من هنا، بات ضروريًّا اعتبار المجتمع والبيئة الاجتماعيّة بشتّى مكوّناتها أساسًا في تطوّر الوعي البشري، وفي التجارب البحثيّة التطبيقيّة لتطوير الوعي الاصطناعي، الأمر الذي فتح الباب واسعًا لدور علم الاجتماع الآلي في دعم تطوير وعي الآلة، وتوجيهه في مسار النجاح على النحو الذي تم بيانه.
من منظور علم الاجتماع الآلي، فإنّ الوعي والإدراك قد يكونان ناشئين اجتماعيًّا لا فرديًّا فحسب، والوعي قد يكون ناشئًا من الشبكات الاجتماعية والتفاعلية. ويلاحظ، هنا أنَّ الوعي الآلي الاجتماعي لا بدّ أن يتأثّر بالثقافة والبيئة المجتمعيّة الآليّة، ومن ثَمَّ يمكن توجيه نشوء الوعي الآلي بتوجّهات ثقافيّة واجتماعيّة معيّنة. الأمر الذي يشير إلى إمكانيّة تطوير "فلسفة عربيّة" للوعي الآلي، بخصوصيّة البيئة العربيّة الإسلاميّة، ومرجعيّاتها في الأخلاق والمعنى والهويّة، والعلاقة بين الإنسان والآلة في هذا الخصوص. ذلك مزيجٌ بين الفلسفة الإسلاميّة والعلوم العرفانيّة والاجتماع الآلي والذكاء الاصطناعي ومفهوم النفس والعقل، اعتمادًا على العقلانيّة والمرجعيّة العربيّة والإسلاميّة.
الآلة تتبنّى الوعي شكلًا ومضمونًا وتنفّذه سلوكًا ولا تعيه كما يعي الإنسان وعيه
الخلاصة في هذا المسار أنّ الأبحاث والمشاريع والتجارب المرتبطة بوعي الآلة اعتمدت أخيرًا على الجوانب الاجتماعيّة في دراسة الوعي الخوارزمي، وحقّقت نتائج لافتة بشأنه، حيث إنّها اقتربت كثيرًا من مباحث علم الاجتماع الآلي، وركّزت على موضوعات بعينها لتطوير وعي الآلة بمنظور هذا العلم الاجتماعي الجديد، مثل دراسة: تشكّل الذات الرقميّة، ونشوء المعنى داخل المجتمع الرقمي، وبناء الهويّة التفاعليّة (الفرد - الجماعة الافتراضية)، ودراسة الوعي بوصفه ظاهرة اجتماعيّة لا فرديّة فحسب.
وذلك كله في سياق البحث عن آليّات ذكيّة اجتماعيّة تصل إلى تطوير ما يُميّز الذكاء البشري ويثبت الوعي الحقيقي، في ما يرتبط تحديدًا بثلاث بؤر مركّزة (الذات - الشعور - القصد)، وهو ما يُعبَّر عنه بالوعي "الظواهري" الحقيقي، خلافًا لما تحقّق من وعي آلي حتى الآن، والذي لا يخرج عن كونه "سلوكًا واعيًا"، أو ما يمكن صناعته من وعي آلي مُهم، على الرغم من أنَّ الآلة تتبنّاه شكلًا ومضمونًا وتنفّذه سلوكًا، ولا تعيه إطلاقًا، كما يعي الإنسان وعيه.
(خاص عروبة 22)

