يمكن الاستدلال على ذلك بالنّظر إلى الجدول أدناه. فكما نرى، يتخلّف العالم العربي عن المتوسّطات العالمية في جميع المؤشرات التكنولوجية الرئيسية، وأحيانًا بفارق كبير. فعلى سبيل المثال، لا تتجاوز حصّة العالم العربي من إجمالي المقالات المنشورة عالميًا في مجالَيْ العلوم والتكنولوجيا 0.3%، في حين تبلغ حصّة سكان العالم العربي 6% من إجمالي سكان العالم. وهذا يعني أنّ واينبرغ لم يكن بعيدًا كثيرًا عن الصواب. ومن المؤشّرات المهمّة الأخرى، غير الواردة في الجدول، حصّة الصادرات عالية التقنية من إجمالي الصادرات، إذ تبلغ 5% في العالم العربي مقابل 37% في إسرائيل، من دون احتساب صادرات الأسلحة الإسرائيلية!.

يبرز هنا سؤال جوهري: لماذا لا يزال العالم العربي متخلّفًا تكنولوجيًا؟ باختصار، تتعدّد أبعاد الإجابة، لتشمل عوامل اقتصادية وسياسية وتاريخية[2].
المؤسسات الأكاديمية والجامعات تعمل بمعزل عن بعضها مع ضعف قنوات تحويل الأبحاث إلى منتجات قابلة للتسويق
على الصعيد الاقتصادي، يبرز نموذج الاقتصاد الريعي، إذ تعتمد اقتصادات عربية كثيرة، ولا سيما في دول الخليج، اعتمادًا كبيرًا على عائدات الموارد الطبيعية والريع[3]، بدلًا من الإنتاجية المحلية. ويُضاف إلى ذلك نموذج الاستيراد بدلًا من الابتكار، حيث تستورد دول العالم العربي قسمًا كبيرًا من البنية التحتية الحديثة والمعدات عالية التقنية جاهزةً، بدلًا من تطويرها بصورة مشتركة أو إنتاجها انطلاقًا من منظومات صناعية محلية. ويؤدّي ذلك إلى نشوء مظهر سطحي للتحديث، من دون بناء قدرات أصيلة ومُستدامة ذاتيًا. وثمّة أيضًا هجرة العقول وضعف الروابط بين البحث العلمي والسّوق. فكثيرًا ما تعمل المؤسّسات الأكاديمية والجامعات بمعزل عن بعضها البعض، مع ضعف قنوات تحويل الأبحاث إلى منتجات قابلة للتسويق أو حلول عملية ذات أثر اجتماعي. وإلى جانب ذلك، تدفع الرواتب الأكاديمية المنخفضة وعدم الاستقرار السياسي كثيرًا من أبرز الكفاءات الهندسية والطبية والعلمية في المنطقة إلى الهجرة.
أمّا البُعد السياسي، فله آثار أشدّ ضررًا، تتجلّى في الحكم السلطوي، حيث أدّى تركّز السلطة السياسية، وإعطاء الأولوية تاريخيًا لاستقرار الأنظمة على حساب بناء مؤسّسات قائمة على الجدارة والكفاءة، إلى تثبيط المبادرات الريادية المستقلة والحدّ من نشوء مجتمع منفتح وديموقراطي. ويُضاف إلى ذلك عدم الكفاءة المؤسّسية، إذ تُسجّل مؤسّسات المنطقة أداءً أدنى بكثير في مؤشرات الكفاءة وسيادة القانون وتطوّر بيئة الأعمال، مقارنةً بما يُفترض أن تعكسه مستويات الناتج المحلي الإجمالي للفرد.
وأخيرًا، هناك الرأسمالية القائمة على المحسوبية، حيث تحتكر العائلات الحاكمة والجنرالات العسكريون والأوليغارشيون المرتبطون سياسيًا، في كثير من الأحيان، العقود الحكومية والقطاعات الاقتصادية الرئيسية، بدلًا من إتاحتها لقطاع خاص أكثر كفاءة وقدرة على المنافسة.
العالم العربي كان مركزًا عالميًا للعلوم والرياضيات والطب والفلسفة
أمّا من الناحية التاريخية، فلعلّ الصدمة الأكبر كانت الغزو المغولي عام 1258، الذي دمّر مراكز حضرية وفكرية واقتصادية عربية رئيسية. ويمكن القول إنّ العالم العربي لم يتعافَ قط من هذه الصدمة، إذ وضعت نهاية دائمة لعصره الذهبي، الممتدّ من خمسينيّات القرن الثامن حتى خمسينيّات القرن الثالث عشر، حين كان مركزًا عالميًا للعلوم والرياضيات والطب والفلسفة.
ومن العوامل المهمّة أيضًا تحوّل مسارات التجارة العالمية، إذ أدّى عصر الاستكشافات الأوروبية، الذي بدأ من منتصف خمسينيّات القرن الخامس عشر فصاعدًا، إلى إعادة توجيه التجارة العالمية نحو الطرق البحرية، بعيدًا عن المسارات البرية التقليدية، مثل طريق الحرير، ما استنزف الثروات وأضعف النشاط التجاري في الأراضي العربية. وبالطبع، لا يمكن إغفال الاستعمار، ولا سيما الحكم العثماني، الذي استمر من عام 1516 حتى عام 1918. فقد كانت الدولة العثمانية نفسها إمبراطورية متخلّفة، وأبقت العالم العربي، حرفيًا، في الظلام، إذ حُرم من ثمار حركة التنوير والثورة الصناعية في الغرب.
ومع التسليم بصحّة جميع هذه العوامل المعقّدة والمتداخلة، يمكن القول إنّها ليست سوى تجلّيات مترتّبة على سبب أعمق كامن وراء هذه الظاهرة. فقد مرّت دول كثيرة في آسيا وأميركا اللاتينية بتجارب مماثلة، لكنّها تمكّنت من اللحاق بركب التطوّر التكنولوجي[4]. ويتمثّل هذا السبب في إخفاق العالم العربي في إرساء مؤسّسات تكفل حرية البحث العلمي والنقدي، وترسّخ المنهج العلمي في التفكير[5].
ولهذا الإخفاق جذور تاريخية عميقة تعود إلى القرن الثاني عشر، حين أدّى صعود النخب الدينية المحافظة إلى مواقع النفوذ السياسي إلى تغيير أولويات الدولة، فابتعدت عن العلوم واتجهت نحو الدين. وبدأت المناهج العقلانية والعلمية، تبعًا لذلك، تواجه تشكيكًا متزايدًا وعداءً من السلطات، التي نظرت إليها باعتبارها تهديدًا لسيطرتها الدينية والاجتماعية والسياسية.
بيئات فكرية تقييدية ضيّقت نطاق البحث العلمي المفتوح والنقدي
وأفضى ذلك إلى نشوء بيئات فكرية تقليدية أو تقييدية ضيّقت نطاق البحث العلمي المفتوح والنقدي، إن لم تكن قد قضت عليه تمامًا. ومع استمرار هذا النهج وترسّخه في المشهد الثقافي العربي على المستويات الإيديولوجية والنفسية والسياسية، انتهى بنا الأمر إلى نتيجة أكثر سوءًا: فقد خضعت كل دولة عربية، باستثناءات قليلة، لحكم مستبد أو حزب إسلامي أو زعيم قبلي، وظلّت في الوقت عينه تعاني تخلّفًا تكنولوجيًا.
ونود أن نختتم المقال بالملاحظة الآتية: إذا كنتم تتبنّون الحجّة المطروحة أعلاه، فإنّ ما يحتاج إليه العالم العربي ليس فقط مزيدًا من التكامل ولا ثورات تكنولوجية جديدة كالذكاء الاصطناعي، بل ثورة أكثر صعوبة، تتمثّل في نهضة ثقافية وفكرية تُعيد إليه روح عصره الذهبي ومنجزاته.
[1] للاطلاع على بعض القضايا التي يناقشها هذا المقال، انظر: هيلل، أو "لماذا أدار العالم العربي ظهره للعلم؟"، مجلة "ذا نيو أتلانتيس"، شتاء 2011.
[2] ثمّة عاملان مهمان آخران: العامل القانوني، ولا سيما قوانين الميراث؛ والعامل الاجتماعي، وفي مقدمته مكانة المرأة. ولن نناقشهما لضيق المساحة.
[3] يشمل ذلك أيضًا التحويلات المالية والمنح والمساعدات الخارجية.
[4] ناهيك عن دول إسلامية غير عربية أخرى تمكنت من تحقيق ذلك، مثل ماليزيا، أو دول غير عربية أخرى تأثرت تاريخيًا بالإسلام، وإن كان تأثيرًا بعيدًا مثل إسبانيا.
[5] بعبارة أخرى، الإخفاق في التوفيق بين الإيمان والعقل.


